فهرس الكتاب

الصفحة 9583 من 9994

سادسا: من الآثار أيضا الحزم والجد في الأمور نعم الحزم والجد في الأمور فإن الموحد جاد حازم لأنه عرف هدفه وعرف لماذا خُلِق وما المطلوب منه وهو توحيد الله عز وجل والدعوة إليه فلذلك حرص على عمره فاستغل كل يوم وشهر بل والله استغل كل ساعة في عمره فلا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا واستغلها ولا يفوت شيئا فيه رجاء الله إلا وحرص عليه ولا يرى موقع الإثم إلا وابتعد عنه خوفا من العقاب لأنه يعلم أن من أسس التوحيد الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال والله عز وجل يقول ( ولكل درجات مما عملوا) وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الغاية أي على الحزم والجد والقوة فقال صلى الله عليه وسلم"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل الخير احرص على ما ينفعك واستعن بالله وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح باب الشيطان"أخرجه مسلم في صحيحه لكن شتان بين المؤمن الجاد الحازم الذي يستغل اللحظات ويقضي العمر برضا الله عز وجل وبالعمل الصالح وبين المؤمن الضعيف الذي يصارع النفس والشهوات ومغريات الحياة نعم ابتلي الكثير الكثير من المسلمين اليوم بل حتى من الصالحين ابتلوا بمصارعة النفس والشهوات هكذا المؤمن بين أمرين بين رضا الله وثوابه وبين الدنيا وشهواتها وتنبهوا كلما ضعف أحدهما قوي الآخر واشتد ، أيها الموحد كن جادا حازما فأنت صاحب عقيدة تحمل همها في الليل والنهار وفي اليقظة والمنام هكذا المسلم إن حزن فللتوحيد وإن ابتسم فلتوحيده وإن أحب فلعقيدته وإن أبغض فلعقيدته وإن ذهب فلها وإن جاء فلها حياته كلها جد وعمل فهي وقف لله تعالى ،أثر آخر من آثار التوحيد ، التوحيد هو الذي يحرر النفوس من رق المخلوقين ومن التعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا والله هو العز الحقيقي والشرف العالي فيكون بذلك متألها متعبدا لله فما يرجو سواه ولا يخشى غيره ولا ينيب إلا إليه ولا يتوكل إلا عليه وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه فإن العبودية لله عز ورفعة والعبودية لغير الله ذل ومهانة فيا عجبا يا عجبا ممن يخاف من المخلوقين كالسحرة والمشعوذين وغيرهم ويحسب لهم حسابا فيطلب ربما عطاءهم ويلجأ إليهم ويخاف منعهم وقد شرع له أن يردد بعد كل صلاة اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت أين حقيقة التوحيد أين حقيقة هذه الكلمة يرددها كثير من المسلمين بعد كل صلاة لكن ربما بدون تدبر لمعناها ولا عمل بمقتضاها واسمع لهذا الكلام الجميل من شيخ الإسلام رحمه الله يقول:المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب كما قال تعالى (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) أما الخالص الخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك كما في الحديث0 انتهى كلامه فكان من آثار التوحيد إذاً القوة والشجاعة واسمع لهذا المثل العجيب قال الله تعالى (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) وأذكر لكم مثلا واحدا لعزة المسلمين يوم أن تعلقوا بالله ولم يخافوا إلا الله ذكر [جبيل بن شدة] فقال ندبنا [عمر] واستعمل علينا [النعمان بن مقرن] حتى إذا كنا بأرض العدو خرج علينا عامل [كسرى] في أربعين ألفا فقام فقال ليكلمني رجل منكم ليكلمني رجل منكم وفي رواية [للطبري] أن كسرى قال له إنكم معشر العرب أطول الناس جوعا وأبعدهم وأبعد الناس من كل خير وما منعني أن آمر هؤلاء الأساور أن ينتظموكم بالنشاب أي يقتلوكم إلا تنجس لجيفكم إلا تنجس لجيفكم فقال [المغيرة] رضي الله تعالى عنه ما أخطأت شيئا من حقنا نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعبد الشجر والحجر فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأراضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيا من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم يُري مثله قط ومن بقي منا ملك رقابكم 0هكذا يكون التوحيد الخالص عزة ورفعة وثقة بالله وقوة في الدين والعقيدة يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله فإن المخلص لله ذاق ، المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبته لغيره ، إذ ليس عند القلب أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن لعبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له… انتهى كلامه رحمه الله .

ثامنا: من آثار التوحيد أيضا في النفوس أنه يسهل عليها فعل الخيرات وترك المنكرات ، المخلص في توحيده تخف عليه الطاعات لما يرجوه من الثواب ويهون عليه ترك المنكرات وما تهواه نفسه من المعاصي لما يخشى من سخط الله وأليم عقابه وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب نعم إذا صدق العبد في توحيده ؛ صرف عنه الكثير من الذنوب والمعاصي ألم يقل الحق عز وجل في القرآن (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) فلعل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادنا المخلصين ويقول الحق عز وجل (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) فالمسلم بقدر ما في نفسه من التوحيد يكون إقدامه وحرصه على فعل الخيرات والعكس بالعكس ، لما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم أي في قلوب المنافقين ثقلت عليهم الطاعات وكرهوها كما أخبر الله عز وجل عنهم في القرآن واسمع لـ ابن القيم رحمه الله يقول في مدارج السالكين كلاما جميلا يقول: اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى فمن الناس من الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس نسأل الله الكريم من فضله ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار وبحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ومعرفة وحالا وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أَحْرَقَ مِن الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، انتهى كلامه رحمه الله فأهمس في أذن أولئك العاجزين هذه الكلمات إلى أسرى الذنوب والشهوات والمعاصي الذين إذا ذكروا تعللوا بالمشقة والعجز فإذا قيل لأحدهم اترك يا أخي تلك المعصية قالوا والله ما استطعت. أقول لألئك كما يقول ابن القيم رحمه الله إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله أما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فإنه لا يجد من تركها مشقة إلا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب.. انتهى كلامه رحمه الله 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت