أما اليوم فتعال وانظر لحالنا فإن ظاهرها الصلاح وقد نحسب في القدوات والسادات والله أعلم بسرائرنا مصارحة النفس وصلاحها يعلم الله ما يريد فإننا ننظر لأقوالنا وأفعالنا وأحوالنا وانتصارنا لأنفسنا وتسترنا وعجبنا لذاتنا وإذا وقفت على حالنا مع النوافل والطاعات أصابتك الحسرات والآهات وقل مثل ذلك في طلبنا للعلم وقل مثل ذلك في أمرنا ونهينا عن المنكر ثم قل مثل ذلك في إهمالنا لقلوبنا وحملنا على الآخرين وجرحهم ونبذهم واستغفر الله أن أعمم ولكن كل نفس أعلم بنفسه وكل نفس منا بما كسبت رهينة إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله أقول لك يا أخي الحبيب تعال أقف وإياك للنظر في جانب سلامة الصدر فقط وطهارة القلب في حياة هذين الرجلين في أكثر من في حياتهما إنهما [أحمد بن حنبل] والإمام ابن تيميه رحمهما الله تعالى جميعا وفي حياتهما مثل أعلى للعاملين والدعاة المصلحين والعباد المخلصين فمع كثرة الأذى لهما والنيل منهما وسجنهما وجلدهما والتعرض للفتن بل والتكفير والتفسيق وللتدبير وللتبديع عياذا بالله ومع ذلك كله فاسمع وتفكر لتعرف من أنت أيها المسكين اسمع فصارح نفسك وكن لها من الناصحين أنت إذا رماك أحد تهمة أوغرت عليه وقلت ما تركت صغيرة ولا كبيرة إلا وذكرتها في قائلك أما هؤلاء فاسمع رعاك الله ذكر [عبد الغنى المقدسي] في كتابه محنة الإمام أحمد في مسنده إلي أبى على حنبل قال حضرت أبا عبيد الله إي أحمد بن حنبل وأتاه رجل في مسجدنا وكان الرجل حسن الهيئة كأنه كان مع السلطان فجلسا حتى انصرفا من كان عند عبد الله ثم دنا منه فرفع أبو عبد الله بما رأى من هيئته فقال له يا أبا عبد الله اجعلني في حل الرجل يقول لأحمد اجعلني في حل قال أحمد من ماذا قال كنت حاضرا يوم ضربت وما أعنت ولا تكلمت إلا أنى حضرت ذلك تأمل الرجل يستسمح فقط لأنه حضر يوم ضرب أحمد فأطرق أبو عبد الله ثم رفع رأسه إليه فقال أحدث لله توبة ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف فقال له يا أبا عبد الله أنا تائب إلى الله تعالى من للسلطان قال له أبو عبد الله فأنت في حل وكل من ذكرني إلا مبتدع هذا كلام الإمام أحمد رحمه الله قال أبو عبد الله وقد جعلت أبا إسحاق في حل من هو أبو إسحاق؟ المعتصم الذي ضرب وآذى الإمام أحمد قال وقد جعلت أبا إسحاق في حل ورأيت الله عز وجل يقول اسمع لمن تدبر القرآن (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ـ هذا الكلام للإمام أحمد ـ بالعفو في قضية مسطح ثم قال أبو عبد الله: العفو أفضل إذا دار في نفس الإنسان الانتقام والتشفي إذا حق عليك أحد أو سمعت أن أحدا قال فيك أو حتى آذاك مهما كان هذا الأذى لا شك أن النفس بطبعها كبشر تعمد إلى الانتقام تعمد إلى الغضب ولكن على الإنسان أن يرعى هذه النفس وأن يحرص على تربيتها أن حسن الخلق لا يكون صاحب الخلق حسن الأخلاق إلا في المواقف العصيبة الشديدة أما في المواقف الهينة اللينة لا لا يمكن أن يتضح حسن خلقه إلا في المواقف العصيبة فلما فكر الإمام أحمد رحمة الله تعالى وتذكر قول الله تعالى ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) من عفا الله عنه فإذا به يقول: العفو هو الأفضل وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك هذا كلام الإمام أحمد ولكن تعفو وتصفح عنه فيغفر الله لك كما وعدك انتهى الموقف وأيضا ساق المقدسي رحمه الله بسنده إلى [ أبى على عبد الله بن الحسين بن عبد الله الخرقي] وقد رأى أحمد بن حنبل قال بت مع أحمد بن حنبل ليلة لم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح قال ذكرت فقلت يا أبا عبد الله كثر بكاؤك الليلة فما السبب؟ قال أحمد واسمع قال أحمد ذكرت ضرب المعتصم إياي ومر بي بالدرس قوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) فسجدت وأحللته من ضربي في السجود رحم الله الإمام أحمد هكذا والله القلوب وهكذا والله هو التعلق بالله جل وعلا والتدبر لهذا الكتاب فمن منا يريد أن يعفو الله عنه ، ويصفح الله جل وعلا عنه أيها الأحبة وذكر [ابن رجب] في طبقات الحنابلة عن [أبى محمد خوزان] قال جاء رجل إلى أحمد بن حنبل فقال له نكتب عن [محمد بن منصور] ؛محمد بن منصور الطوسي فقال إذا لم تكتب عن محمد بن منصور فعن من يكون ذلك قالها مرارا يكررها الإمام أحمد إلى الآن المسألة لا شيء فيها لكن أتعرف من هو محمد بن الطوسي هذا؟ قال الرجل إنه يتكلم فيك فماذا قال الإمام أحمد مع أن الإمام أحمد يعلم عندما قال إذ لم تكتب عن محمد بن منصور الطوسي فعن من تكتب يعلم أن محمدا يتكلم فيه فقال الرجل إنه يتكلم فيك فقال أحمد رحمه الله تعالى رجل صالح ابتلي فينا فما نعمل وما أعجب مواقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى اقرأ هذا الكتاب محنة الإمام أحمد بن حنبل وانظر مواقفه مع من عاداه ومع من ضربه ومع من سبه وشتمه فرحم الله الإمام أحمد
أضحى ابن حنبل محنة مأمومة
وبحبه يعرف المتنسك
فإذا رأيت لأحمد منتقصا
فاعلم بأن ستوره ستهتك