فهرس الكتاب

الصفحة 9532 من 9994

أيها الاخوة والأخوات إن من أعظم البلايا وأشد الرزايا ما يصيب المسلمين كل يوم من غزو واجتياح وتعديات ومظالم وفقر وتجويع حتى أصاب بعض النفوس الضعيفة أصابها اليأس والقنوط والإحباط وفقدان الثقة والأمل لماذا أيها الاخوة أليس الأمر لله من قبل ومن بعد أليس حسبنا الله وكفى بالله حسيبا أليس الله بقادر أليس الله أو أليس هو الناصر وكفى بالله نصيرا ألا يعلم الله مكرهم ألم يقل ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) (أليس الله بكاف عبده) ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) ألم يقل ( إنا كفيناك المستهزئين ) ألم يقل ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) معاشر الاخوة اسمعوا وعوا وأعلنوا واعلموا إن مصيبتنا ليست في قوة عدونا إنما هي بضعف صلتنا بربنا وضعف ثقتنا وقلة اعتمادنا عليه لنفتش في أنفسنا عند وقوعنا في الشدائد والمحن أين الضراعة والشكوى لله أين اللجاءة والمناجاة لله ليس شيء أفضل عند الله من الدعاء لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته وغناه أيها المسلمون نريد أن نتعلم فن الدعاء والتذلل والخضوع والبكاء لنعترف بالفقر إليه ولنظهر العجز والضعف بين يديه أليس لنا في رسول الله قدوة أليس لنا أسوة أوذي أشد الأذى وكذب أشد التكذيب اتهم بعرضه وخدشت كرامته وطرد من بلده عاش يتيما وافتقر ومن شدة الجوع ربط على بطنه الحجر قيل عنه كذاب وساحر ومجنون وشاعر توضع العراقيل في طريقه وسلى الجزور على ظهره يشج رأسه وتكسر ثنيته يقتل عمه جمعوا عليه الأحزاب وحاصروه المشركون والمنافقون واليهود يذهب إلى الطائف ليبلغ دعوته فيقابل بالتكذيب والسب والشتم ويطرد ويلاحق ويرمى بالحجارة فماذا فعل بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه أين ذهب من يسأل إلى من يشكو إلى ذي الجبروت والملكوت إلى القوي العزيز فأعلن صلى الله عليه وآله وسلم الشكوى ورفع يديه بالنجوى دعا وألح وبكى وتظلم وتألم وشكا لكن اسمع لفن الشكوى وإظهار الضعف والعجز والافتقار منه صلى الله عليه وسلم قال"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك"هكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم ضراعة ونجوى لربه والحديث أخرجه [الطبراني] كما في الكبير وقال [الهيثمي] في المجمع رواه الطبراني وفيه [ابن إسحاق] وهو مدلس ثقة ورجاله ثقات .

أيها الاخوة لماذا نشكو إلى الناس ونبث الضعف والهوان والهزيمة النفسية في مجالسنا وننسى أو نتكاسل عن الشكوى لمن بيده الأمر من قبل ومن بعد ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ) أليس فينا من بينه وبين الله أسرار أليس فينا أيها الأحبة أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره أليس فينا من يرفع يديه إلى الله في ظلمة الليل يسجد ويركع ينتحب إلى الله يرفع الشكوى إلى الله فلنشكو إلى الله ولنقوي الصلة بالله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ومن الأدعية في المصيبة والكرب والشدة والضيق ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم"وفي رواية كان إذا أحزبه أمر قال ذلك قال [ النووي] في شرح مسلم هو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة قال الطبري كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب وأخرج [ أبو داود] و [أحمد ] عن [أبي بكرة ] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت"حسنه [ ابن حجر] كما في الفتوحات الربانية و [ الألباني ] كما في صحيح الجامع وأخرج [ الترمذي [ و[ أحمد ] عن [ سعد بن أبي وقاص] رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة [ذي النون ] إذ دعا وهو في بطن الحوت ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له حسنه [ابن حجر] كما في الفتوحات وصححه الألباني كما في صحيح الجامع لما قالها [يونس ] عليه السلام وهو في بطن الحوت قال الله عز وجل ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) قال [ابن كثير] في تفسيره ( وكذلك ننجي المؤمنين ) أي إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء فقد جاء الترغيب في الدعاء فيها عن سيد الأنبياء انتهى كلامه .

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث [ أم سلمة ] رضي الله تعالى عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها قالت فلما مات أبو سلمة قلت أي قالت في نفسها أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذن فالاسترجاع ملجأ وملاذ لذوي المصائب ومعناه باختصار إن لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك وإنا لله وإنا إليه راجعون إقرار بأن الله يمسكنا ثم يبعثنا إذاً فالأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه والله عز وجل يقول ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) .

وإليكم أيها الأحبة إليكم أمثلة ومواقف للذين لجئوا إلى حصن الإيمان وسلاح الدعاء وأدركوا أن المفزع بعد الإيمان هو الدعاء؛ السلاح الذي يستدفع به البلاء ويرد به شر القضاء عن [ أصبغ بن زيد ] قال مكثت أنا ومن عندي ثلاثا لم نطعم شيئا أي من الجوع فخرجت إلى ابنتي الصغيرة وقالت يا أبت الجوع؛ تشكو الجوع قال فأتيت الميضأة انظروا إلى من اللجاءة انظروا إلى من يلجئون فأتيت الميضأة وتوضأت وصليت ركعتين وألهمت دعاء دعوت به في آخره اللهم افتح على منك رزقا لا تجعل علي لأحد منة ولا لك علي في الآخرة فيه تبعة برحمتك يا أرحم الراحمين ثم انصرفت إلى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إلي وقالت يا أبه جاء رجل يقول إنه عمي بهذه الصرة من الدراهم وبحمال عليه دقيق وحمال عليه من كل شيء في السوق وقال أقرئوا أخي السلام وقولوا له إذا احتجت إلى شيء فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك قال أصبغ بن زيد والله ما كان لي أخ قط ولا أعرف من كان هذا القائل ولكن الله على كل شيء قدير

فقلت للفكر لما صار مضطربا

وحارني الصبر والتفريط والجلد

دعها سماوية تجري على قدر

لا تعترضها بأمر منك تنفسد

تحفني بخفي اللطف خالقنا

نعم الوكيل ونعم العون والمدد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت