ومن ذا ـ يا إخوان ـ من ذا الذي لا يخاف الله وهو يسمع آيات صفاته ونعوت جلاله؟
وكيف لا يخالط القلب إجلالٌ لله وتعظيم له؟ ونحن نسمع قوله تعالى: وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:17] .
أي ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، والقادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله فقال: يا محمد، إنا نجد الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله: وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:17] ) (5) [5] .
وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: سمعت رسول الله يقول: (( يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ) ) (6) [6] .
وها هي الملائكة على عظم خلقها وما خصها الله من قوة، فهي تخاف من الله سبحانه وتعالى أشد الخوف.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّتِ السماء وحق لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد أو قائم ) ) (7) [7] .
ومعنى أطت: أي لها أطيط كأطيط الرحل، وهو الصوت الذي يخرج من ثقل المتاع، فالسماء لها أطيط ثقلت بالملائكة التي عليها، فما فيها موضع أربع أصابع إلا فيها ملك قائم أو ساجد.
وهذا جبريل عليه السلام على عظم خلقه يقول النبي: (( لما كان ليلة أسري بي رأيت جبريل كالشراك البالي من خشية الله تعالى ) ) (8) [8] .
فسوف يلقون غيًا, أي واد في جهنم, لو سيرت الجبال فيه لذابت من حره، فكيف بمن سيُلقى فيها! أجارنا الله وإياكم منها.
ولكن ـ أيها الإخوة ـ من كان منكم مقصرًا في صلاته أو مضيعًا لها, فليتق الله وليتب إلى الله, وليعاهد الله أن يحافظ عليها, ولذلك استنثى الله وهو أرحم الرحيم: إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَانُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً [مريم:60-62] .
وهذا إسرافيل عليه السلام لم يضحك منذ خلقت النار.
وهكذا كان رسول الله .
فها هي عائشة تصف لنا رسول الله وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقول: ما رأيت رسول الله قط مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى لهواته، إنما كان جلُّ ضحكه التبسم (9) [9] ، وكان يصلي ولجوفه أزير كأزير المِرْجَل من البكاء (10) [10] ، (11) [11] .
وهكذا كان أصحابه من بعده.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل، وكان إذا صلى لم يفهم الناس ما يقرأ من شدة أسفه وبكائه.
وهذا عمر بن الخطاب كان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وهذا عمران بن حصين يقول: يا ليتني كنت رمادًا تذروه الرياح.
وكان لابن عباس مجرى الدمع كأنه شراك بالٍ.
وكانت عائشة رضي الله عنها تبكي وتقول: يا ليتني كنت نسيًا منسيًا.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سلم من صلاة الفجر يومًا, وقد علته كآبة وهو يقلب يديه، ويقول: (لقد رأيت أصحاب رسول الله فلم أرَ اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصيحون شُعْثاً غُبْرًا، بين أعينهم أمثال ركب المعز، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله تعالى، يراوحون بين جباهم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله عز وجل، مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين) .
ثم قام فما رؤي بعد ذلك ضاحكاً حتى مات رحمة الله عليه.
وكان علي بن الحسين زين العابدين إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء، فيقول: (أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟) .
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الخائفين، فقال: (قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا وعلى جهنم طريقنا وبين يدي الله موقفنا؟!) .
مرّ الحسن البصري رحمه الله بشاب وهو مستغرق في ضحكه جالس مع قوم فقال له الحسن:"يا فتى هل مررت بالصراط؟، قال: لا. قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا. قال: فما هذا الضحك؟قال: فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكًا".
وروي عن ميسرة بن أبي ميسرة أنه كان إذا آوى إلى فراشه يقول: يا ليتني لم تلدني أمي، فقالت له أمه حين سمعته: يا ميسرة، إن الله قد أحسن إليك, هداك للإسلام، قال: أجل، ولكن الله قد بين لنا أنا واردون على النار، ولم يبين لنا أنا صادرون عنها. يعني قوله تعالى: وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:70] .
وقال معاذ بن جبل: (إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه) .
وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلةً فبكى أهل الدار لبكائه، ولا يعلمون ما به، فقالت له زوجه: (ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟) قال: (ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير) .
أيها الأخوة في الله, هل خفنا الله حقيقة؟ هل خفنا عقابه وعذابه؟
وكل إنسان يدعي الخوف من الله, ولكن هذا الخوف إما أن يكون صورة أو حقيقة، فمن منعه الخوف من الله من فعل المحرمات فخوفه حقيقة، ومن لم يمنعه الخوف من الله من فعل المحرمات وتمادى بها، فإن خوفه صورة لا حقيقة، وادعاؤه كاذب.
وكنتيجة لهذا الخوف الصوري ها نحن نرى المعاصي والمنكرات منتشرة انتشار النار في الهشيم.
فما خاف الله حقيقة من ترك الصلاة أو تهاون فيها, وما خاف الله حقيقة من تجرأ على محارم الله, وما خاف الله حقيقة من تعامل بالربا, وما خاف الله حقيقة من جلب السوء والفساد إلى بيته, وما خاف الله حقيقة من استمع إلى آلات اللهو المحرمة، أو اشتراها بماله، أو مكّن مَن تحت يده مِن استماعها، أو النظر إليها، أو باعها، أو أعان على نشرها, وما خاف الله حقيقة من ملأ محله ودكانه بالمجلات الماجنة الخبيثة, وما خاف الله حقيقة من يبيع المحرم في محله ودكانه، كالدخان وأشرطة الفيديو والغناء.
وكذلك من النساء من يكون خوفها من الله صورة لا حقيقة.
فما خافت الله من تبرجت أمام الرجال الأجانب, وما خافت الله من خَلَتْ برجل ولو كان سائقاً أو خادمًا, وما خافت الله من لانت بقولها للرجال, أو كانت فتنة لكل مفتون.
وبالجملة فكل من ضيع أوامر الله وارتكب نواهيه فما خاف الله حق الخوف، وما عظّم الله حق تعظيمه.
اللهم اجعلنا ممن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى..
وأشهد أن لا إله إلا الله..