أما بعد, فيا عباد الله, وهناك أمور يستجلب بها الخوف من الله، وهي كثيرة:
أولها: ـ وهو الجامع لكل ما يليه ـ تدبر كلام الله تعالى، وكلام نبيه ، والنظر في سيرته، وسيرة الصالحين من بعده، فإن تدبر هذا مما يعين على الخوف. قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءوفُ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] . وقال: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَانِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً [الفرقان:25-27] .
وفي السُّنَّة من ذلك الشيء الكثير.
الأمر الثاني مما يستجلب به الخوف: معرفة أسماء الله وصفاته وقوته وجبروته وعظمته، فمن عرف الله حق معرفته خاف منه حق خوفه، ولذلك كان السلف يقولون: من كان لله أعرف فهو لله أخوف.
فمن تأمل أسماء الله وصفاته ونظر فيها بعين الإيمان، وتأمل فيها ونظر لنفسه بالعجز, علم وأيقن أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم.
ولذلك لو أن كل إنسان أراد مقارفة معصية أو وقوعًا في محارم الله وتذكر عظمة الله وقدرته عليه، لما عصى الله طرفة عين.
وكيف تعصي يا مسكين؟! كيف تعصي جبار السموات والأرض وتنتهك محارم الله وهو ينظر إليك؟!
من أنت عند مولاك وخالقك, إنه مهما علا صيتك وكثر مالك وانتشر نفوذك، فما أنت إلا مخلوق مربوب لا تملك لنفسك حولاً ولا طولاً؛ إنما أمرك عند جبار السموات والأرض, الذي أمره كلام, ونهيه كلام, وعذابه كلام, ورحمته كلام إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] .
ومهما كنت ـ أيها الإنسان ـ فلست أكبر من خلق السموات والأرض لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر:57] .
يقول الرسول: (( ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كما لو ألقى أحدكم درهمًا في فلاة ) ) (12) [1] .
سبحانه وبحمده على حلمه بعد علمه، سبحانه وبحمده على عفوه بعد قدرته.
ومما يستجلب به الخوف: التفكر في الموت وشدته.
فيا أيها العاصي الذي قل خوفه من الله, أما تذكر ساعةً يعرق فيها الجبين وتخرس من فجأتها الألسن، وتقطر قطرات الأسف من الأعين، فتذَكَّرْ ذلك فالأمر شديد, وبادر بقية عمرك، فالندم بعد الموت لا يفيد. وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] .
ومنها: التفكر في القبر وعذابه وهوله وفظاعته.
فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثرى، ثم قال: (( يا إخواني لمثل هذا فأعدُّوا ) ) (13) [2] رواه أحمد وابن ماجه بإسناد حسن.
ومنها: التفكر في القيامة وأهوالها.
ومنها: تفكر العبد في ذنوبه.
فإنه وإن كان قد نسيها, فإن الله تعالى قد أحصاها, وإنها إن تحط به تهلكه، فليتفكر في عقوبات الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة، ولا يغرّن المذنب نِعَمُ الله عليه, فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه, فإنما ذلك منه استدراج ) )ثم تلا قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ [الأنعام:44] (14) [3] . رواه أحمد بإسناد حسن.
(1) حسن، سنن ابن ماجه في: الزهد، باب: التقوي على العمل (4198) ، وأخرجه أيضاً أحمد (6/159) ، والترمذي في: تفسير القرآن، باب: سورة المؤمنون (3175) . وصححه الحاكم (2-393) ، ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً ابن كثير كما في تفسيره (1/176) .
(2) حسن، صحيح ابن حبان (2/406-640) ، والبيهقي (1/483-777) ، وكذا البزار (3232- كشف الأستار) ، وأبو نعيم في الحلية (2/185) ، وصححه الألباني كما في: الصحيحة (742) .
(3) صحيح، البخاري في: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد (660) ، ومسلم في: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (1031) .
(4) صحيح، أخرجه البخاري في: الأدب، باب: من لم يواجه الناس بالعتاب (6101) ، ومسلم في: الفضائل، باب: علمه بالله تعالى (2356) .
(5) البخاري في: تفسير القرآن، باب: قوله: وما قدروا الله حق قدره (4811) ، ومسلم في: صفة القيامة والجنة والنار (2786) .
(6) البخاري في: تفسير القرآن، باب: قوله: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة (2/48) ، وكذا مسلم في: صفة القيامة والجنة والنار (2787) .
(7) حسن، جزء من حديث أخرجه (5/173) ، والترمذي في: الزهد، باب: في قول النبي: (( لو تعلمون ما أعلم ) )، وقال: حديث حسن غريب (2312) ، وابن ماجه في: الزهد، باب: الحزن والبكاء (4190) ، والبزار (8-177-3208) ، وصححه الحاكم (2/554) .
(8) حسن، بمعناه أخرجه ابن أبي عاصم في: السنة، (ص276) رقم (621) ، والطبراني في: الأوسط (5-64-4679) ، وقال الهيثمي في: المجمع (1/78) : رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح). وقال السيوطي في: الخصائص الكبرى (1/158) : أخرجه ابن مردويه والطبراني في الأوسط بسند صحيح)، وكذا صححه الألباني في الصحيحة (2289) .
(9) صحيح، جزء من حديث أخرجه البخاري في: تفسير القرآن، باب: قوله: فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم[4829).
(10) 10]أي: خنين - بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء. وقيل: أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء. (النهاية لابن الأثير، مادة أزز) .
(11) 11] صحيح، أخرجه أحمد (4/25) ، وأبو داود في: الصلاة، باب البكاء في الصلاة (904) ، والنسائي في السهو، باب: البكاء في الصلاة (1214) ، وصححه ابن خزيمة (2/53) ، وكذا ابن حبان (2/439) .
(12) إسناده صحيح، أخرجه أحمد في العلل (2/132/1785) ، وابن أبي الدنيا في: الورع، باب: الورع في اللسان (76) ، والبزار في: المسند (1/163) ، وأبو نعيم في الحلية (1/33) .
(13) حسن، أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد (4195) .
(14) أخرجه أحمد بإسناد حسن (16860) .
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الخوف من الله شغل قلوب الصالحين. 2- الخوف من الله شرط الإيمان. 3- نماذج من خوف الصالحين من السلف.
الخطبة الأولى
بسبب طول الأمل وسكرة الهوى ونسيان الأجل، تدافع الناس إلى المحرمات دفعاً، وتهاونوا في الطاعات، فما أقاموا لها وزناً. فأصبح التسويف ديدنهم حاجزاً لهم عن توبة ربهم، فما خافوا سطوته وما تألمت قلوبهم حذراً من نقمته.
أحسنت ظنك بالأيام إذ أحسنت ……ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ……وعند صفو الليالي يحدث الكدر