من خاف الله تعالى أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله تعالى أخافه الله من كل شيء.
الخوف المحمود في الكتاب والسنة أنواع:
1-الخوف من الله تعالى، قال تعالى: وخافونِ إن كنتم مؤمنين [آل عمران:175] .
2-الخوف من النار ومن عذاب الله قال تعالى: واتقوا النار التي أعدت للكافرين [آل عمران] .
3-الخوف من فوات الجنة والحرمان من النعيم، قال أبو بكر الصديق: لو أن إحدى رجلي بالجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.
4-الخوف من سوء الخاتمة، قال سفيان الثوري رحمه الله: الذنوب أهون علي من هذه، ولكن أخاف من سوء الخاتمة.
5-الخوف من الذنوب التي عملها الإنسان، حتى لو تاب يخاف من عدم قبول التوبة.
6-الخوف من عدم قبول الطاعات التي عملتها.
قال تعالى يقص علينا خبر أهل الجنة: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم [الطور:25-28] . مشفقين أي خائفين من الله وخائفين من معاصينا.
وقال تعالى: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون [المؤمنون:57-61] .
جاء في تفسير هذه الآيات أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت النبي فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: (( لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات ) ) [رواه الترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي] .
الخوف من الله قد يكون سبباً في مغفرة عظائم الذنوب، فقد أخبر النبي عن رجل ممن كان قبلنا أشفق على نفسه من كثرة ذنوبه، فأوصى أهله إذا مات أن يحرقوه وأن يذروا رماده في ليم قال: فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، ففعلوا فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يا رب، فغفر الله به. [رواه البخاري ومسلم] .
فهذا الرجل شك في قدرة الله على جمعه وشك في البعث، ولكن حمله على ذلك الخوف من الله فغفر الله له لوجله ولخوفه من الله.
عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول: (( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ) ) [رواه الترمذي والحاكم وصححه الذهبي والألباني] .
أدلج أي سار من أول الليل، والمعنى بادر بالتوبة وبالأعمال الصالحة مخافة أن تعيقه العوائق عنها.
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-تزكية النفوس من مهمات الأنبياء. 2- الآيات تثني على الخائفين وتعدهم بالنجاة في الآخرة. 3- الخائفون في ظل عرش الله يوم القيامة. 4- عظمة الله الخالق. 5- خشية النبي وأصحابه. 6- الخوف الحقيقي يمنع من المعاصي. 7- كيف نستجلب الخوف إلى نفوسنا.
الخطبة الأولى
أما بعد, فيا أيها المسلمون, اتقوا الله تعالى وراقبوه، وامتثلوا أمره، وخافوا عقابه وبطشه وانتقامه إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ [إبراهيم:47] .
عباد الله, إن من المهمات التي بعث بها نبي هذه الأمة محمد تزكية النفس، كما قال عز وجل ممتناً ببعثته: هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الامّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ [الجمعة:2] .
وقد علق الله تعالى فلاح العبد بتزكية نفسه، وذلك بعد أحد عشر قسمًا متواليًا، فقال عز وجل: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس:1-10] .
أيها الأخوة في الله, وإن من أعلى مقامات تزكية النفس، مقام الخوف من الله تعالى، وهو من المقامات العليّة، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175] , وقال تعالى: فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ [المائدة:3] , وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر:28] .
وإذا كان المسلم محتاجًا إلى تزكية نفسه بالخوف من الله في كل وقت، فإن الحاجة إليه في هذا الزمن شديدة لكثرة المغريات والفتن.
يقول ابن القيم رحمه الله:"وهي منزلة من أجل منازل الطريق إلى الله، وأنفسها للقلب وهي فرض على كل مسلم".
وقد امتدح الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بذلك فقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] .
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون:57-60] .
روى ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ أهو الذي يسرق ويزني؟ فقال: (( لا، ولكن الذي يصوم ويتصدق، ويصلي ويخاف أن لا يقبله منه ) ) (1) [1] .
وهو من أسباب النجاة يوم القيامة.
قال تعالى في حديث أهل الجنة بعضهم لبعض: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:25-26] .
أي كنّا في الدار الدنيا ونحن بين أهلينا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27] .
وروى ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة أن النبي قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: (( قال الله سبحانه وتعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ) ) (2) [2] .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) ) (3) [3] .
وقال أبو سليمان الداراني:"ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب".
وقال إبراهيم بن سفيان:"إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات وطرد الدنيا".
أيها الإخوة في الله, إن الخوف من الله قد أقض مضاجع الصالحين، وأسهر عيون العابدين، وأذهب فرح المخبتين، وأطال حزن المؤمنين.
وعلى قدر العلم بالله من أسمائه وصفاته ونعوت جلاله, ومعرفة العبد بنفسه؛ يكون الخوف والخشية، كما قال النبي: (( أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ) (4) [4] .
وقد وصف الله تعالى الملائكة بقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] .
ويقول تعالى عن الأنبياء عليهم السلام: الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ [الأحزاب:29] .