وقوبل جيش العسرة بحفاوة بالغة، ولم ينس النبي في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة الذين صعب عليهم أن يجاهدوا معه فتخلفوا راغمين والعبرات تملأ عيونهم. روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: (( إن في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ) )، فقالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: (( وهم بالمدينة؛ حبسهم العذر ) ). بهذه المواساة الرقيقة كرّم النبي الرجال الذين شيّعوه بقلوبهم وهو ينطلق إلى الروم، فأصلح بالهم، وأراح همًّا ثقيلا عن أفئدتهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:38، 39] .
بارك الله لي ولكم في الفرقان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
الخطبة الثانية
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، ها قد عشتم بعض أحداث غزوة تبوك التي انتهت بنصر المؤمنين، ولئن انتهت أحداثها فما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حديث منها قصة، وفي كل قصة عظة وعبرة، وحذار أن يكون نصيبنا منها تغنّيًا بالماضي وسردَ الحديث الغابر، فإن هذا لا يجدي شيئا وقد آلت الأمة إلى ما آلت إليه وتداعى الأكلة إليها.
وأول هذه الدروس: أن هذه الأمة أمة جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة، ومتى ما تركت الجهاد ضربت عليها الذلة والمسكنة، ولذلك فقد رأينا حياة النبي جهادا في جهاد، فإذا فرغ من جهاد المشركين رجع إلى جهاد ومقاومة المنافقين ثم جهاد الروم.
وثاني هذه الدروس: أن الله كتب العزة والقوة لهذه الأمة متى ما صدَقت وأخلصت، فها هي دولة الإسلام الناشئة تقف في وجه الكفر كله بقواه المادية، فتهزمه وتنتصر عليه، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40] .
ومن الدروس: أن العدو ما تسلل إلا من خلال صفوف المنافقين والمرجفين، ولم يكن الضعف والتفرقة في هذه الأمة إلا من قبل أصحاب المسالك الملتوية والقلوب السوداء، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47] .
ومن الدروس: أن مواجهة الأعداء لا يشترط فيها تكافؤ القوة، بل يكفي المؤمنين أن يعدوا أنفسهم بما استطاعوا من قوة ثم يتقوا الله ويصبروا، وعندها يُنصروا، فها هو عبد الله بن رواحة يقول: (والله، ما نقاتل الناس بعدد ولا عدة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به) .
ومن الدروس: أن الحق لا بد له من قوة تحرسه وترهب أعداءه، لا يكفي حق بلا قوة.
دعا المصطفى دهرًا بِمكة لَم يُجَبْ…وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف بالكف مسلّط…له أسلموا واستسلموا وأنابوا
ومن الدروس العظيمة من هذه الغزوة: أن تمكن العقيدة في قلوب رجال الإسلام أقوى من كل سلاح وعَتاد، وقضى الله أن الأمة متى ما غَفلَت عن عقيدتها وتعلقت بغيرها تقلبت في ثنايا الإهانات والنكبات والنكسات، حتى ترجع إلى كتاب ربها وسنة نبيها. والأمة اليوم بعيدة كل البعد عن العقيدة الصحيحة إلا من رحم الله.
هل تريدون مثالاً حيًا قريبًا على أن فئات كثيرة من الأمة لا تعرف معنى لا إله إلا الله إلى الآن؟! ومن هذه الفئات من هم محسوبون على العلماء وطلبة العلم، أحداث تكسير الأصنام القريبة، مسألة واضحة لا يختلف فيها موحدان، أصنام الشرك والكفر بالله عز وجل تُكسّر وتُهدم، ثم يأتي من يأتي من المسلمين ويستنكر هذا الأمر، ويطنطن بعض من هم محسوبون على أهل العلم في الإذاعات والفضائيات، ويكتب من يكتب في الصحف والمجلات بحجة أنها آثار، فأين التوحيد؟ وأين هي العقيدة؟ وأين لا إله إلا الله؟ إذا كانت الأمة إلى الآن تختلف في أصنام الشرك والكفر فماذا بقي من عقيدتها وتوحيدها؟!
فعلى الدعاة والمصلحين والمربين ممن يمثلون منهج أهل السنة والجماعة أن يركزوا في دعوتهم على مسألة التوحيد درسًا وشرحًا وعملاً وتطبيقًا، وأن لا يغتروا بغيرهم ممن يخالفهم في هذه المسألة، فلا صلاح ولا فلاح إلا إذا صحّت عقائد الناس واتضحت لهم معالم وأصول هذه العقيدة.
أيها المسلمون، هذه غزوة تبوك غزوة العسرة، وهذه بعض دروسها، فاعتبروا بها وتدبروها.
ظلال المحبة
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
أيها المؤمنون اتقوا الله إن أعظم ما يحصله العبد في دنياه وآخرته هو محبة الله تعالى له فهي الغاية التي يتنافس فيها المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر الصادقون فهي جنة الدنيا ولذة القلب وقوته وحياته فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بمعرفة الله تعالى ومحبته فمحبة العبد لربه ومحبة الله لعبده هي النور والشفاء والسعادة واللذة وهي التي تحمل العباد إلى بلاد لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس وهي التي ترفعهم إلى درجات ومنازل لم يكونوا بدونها واصليها تالله لقد ذهب أهل المحبة بشرف الدنيا والآخرة.
أيها الناس إنه ليس عند العقول السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من محبة الله تعالى والإقبال عليه والأنس به والشوق إليه فالحلاوة التي يحصلها العبد في قلبه بمحبة الله تعالى فوق كل حلاوة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ) )وذكر على رأسهن: (( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) ) (1) . فمحبة الله تعالى أيها المؤمنون شأنها عظيم وأمرها كبير فإن الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته وعبادته لا تكون إلا بمحبته والخضوع له والانقياد لأمره قال ابن القيم رحمه الله: (( فأصل العبادة محبة الله تعالى بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته فمحبته لهم من تمام محبته وليست محبة معه ) )ا هـ. والمحبة هي الباعثة على العبودية لذا فإن الله تعالى قد فطر القلوب على أنه ليس في محبوباته ومراداته ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله وحده فمن أحب من دونه شيئاً كما يحبه سبحانه فقد اتخذ من دون الله أنداداً في الحب والتعظيم قال الله تعالى: ?وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ? (2) فقد جعل الله تعالى صرف المحبة لغيره شركاً ينقض أصل الإيمان وما ذاك إلا أن محبة الله تعالى أعظم واجبات الإيمان وأكثر وأكبر أصوله وأجل قواعده بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.