أيها المؤمنون إن من أسباب بعث محبة العبد لربه سبحانه مطالعتك ياعبد الله إلى منة الله تعالى وإحسانه إليك في جميع أحوالك وأطوارك فإن نعمته عليك لا تحصى كما قال سبحانه: ?وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ? (3) فبقدر مطالعتك أيها العبد لمنة الله تعالى ونعمه الظاهرة والباطنة عليك بقدر ما يكون في قلبك من محبة فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وليس للعبد إحسان قط إلا من الله تعالى فلا أحد أعظم إحساناً منه سبحانه فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة فالعبد يتقلب في إحسان ربه في جميع أحواله فلله الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى.
أيها المؤمنون إن مما يرسخ في قلب العبد محبته لربه سبحانه ويثبته عليها نظره في أسماء الله تعالى وصفاته فإن أسماءه وصفاته توجب تعلق قلوب العباد به ولذا جاءت رسله جميعاً به معرفين وإليه داعين قال ابن القيم رحمه الله: ( فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفاً مفصلاً حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ويدبر أمر مملكته ويسمع أصوات خلقه ويرى أفعالهم وحركاتهم ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم يأمر وينهى ويرضى ويغضب ويضحك من قنوطهم وقرب غيره ويجيب دعوة مضطرهم ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم ويجبر كسيرهم ويغني فقيرهم ويميت ويحيي ويمنع ويعطي يؤتي الحكمة من يشاء بيده الخير ويرحم مسكيناً ويغيث ملهوفاً ويسوق الأقدار إلى مواقيتها ويجريها على نظامها ) ا. هـ. كلامه رحمه الله فإذا عرف العبد عن ربه هذا وغيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا أورثه ذلك حباً لا تنفصم عراه ولا يُحد مداه فالحمد لله الذي فتح لعباده طريقاً يتعرفون بها عليه.
أيها المؤمنون ومن أسباب حصول محبة العبد ربه تعالى قراءة القرآن العظيم وتدبره وتأمله فلا شيء أنفع من قراءة القرآن الكريم بتدبر وتفكر فتلاوة القرآن ومحبته سبب لمحبة الله تعالى لعبده فإن رجلاً من أصحاب النبي r استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها فقال النبي r: (( أخبروه أن الله يحبه ) ) (4) رواه الشيخان.
ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى إدامة ذكره سبحانه فذكر الله تعالى شعار المحبين ودثار أولياء الله المتقين فإن النبي r قال: (( إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ) ) (5) رواه أحمد وابن ماجه فصاحب الأذكار مذكور عند الله بالثناء والمحمدة والمحبة كما قال الله تعالى: ?فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ? (6) فنصيبك ياعبد الله من محبة الله على قدر ذكراه لله تعالى.
ومن الأسباب التي يحصل بها العبد محبة الله تعالى التقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: قال الله تعالى: (( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي بيطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) ) (7) .
ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى لعبده متابعة النبي e في أعماله وأقواله وأحواله قال الله تعالى: ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ? (8) فمحبة الله تعالى لعبده لا تحصل إلا إذا اتبع العبد رسول ربه وحبيبه ظاهراً وباطناً وصدقه خبراً وأطاعه أمراً وأجابه دعوة فما لم تحصل المتابعة لنبي الله r فليس العبد محباً لله تعالى ولا الله تعالى محباً له فالجزاء من جنس العمل.
فلله كم فضحت هذه الآية من كاذب والأمر كما قال الأول:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا محال في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
فكل عاص لله مخالف لأمره مرتكب لنهيه كاذب في دعواه المحبة فإن الله قد نصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلاً.
والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء
الخطبة الثانية
أما بعد. . .
أيها المؤمنون تدبروا كتاب ربكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن القرآن والسنة مملوءان بذكر من يحبة الله تعالى وما يحبه سبحانه من الأعمال والأقوال والأحوال فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين? (9) وقوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويحب المتطهرين? (10) وقوله: ?وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ? (11) وقوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? (12) وقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ? (13) .
أيها المؤمنون ذكر الله تعالى في الآيات التي سمعتموها أصنافاً ممن يحبهم من عباده المحسنين والتوابين والمتطهرين والصابرين والمتوكلين وفي آخر ما ذكرته من الآيات ذكر الله سبحانه لمن يحبهم أربع صفات أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فإن من لوازم حب الله تعالى الولاء لله ولرسوله ولأوليائه والبراءة من أعدائه كما قال النبي r: (( إن أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله ) ) (14) وبهذا يتبين لنا كذب الذين ادعوا محبة الله ثم والوا أعداء الله وحابوهم وأما الجهاد بالسيف والسنان والعلم والبيان فإن محبة الله تعالى توجبه قطعاً قال شيخ الإسلام رحمه الله: ( فإن من أحب الله وأحبه الله أحب ما يحبه الله وأبغض ما يبغضه الله ووالى من يواليه وعادى من يعاديه) (15) .
وأما السنة فمن النصوص التي وردت في ذكر من يحبه الله وما يحبه فقد قال النبي e عن الذي يختم قراءته في الصلاة بسورة الإخلاص لكونها صفة الرحمن وهو يحبها: أخبروه أن الله يحبه وكذلك أخبر e أن قوي الإيمان محبوب لله تعالى ففي صحيح مسلم (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) ) (16) وغير ذلك من الصفات الواردة في السنة الشريفة فاحرصوا أيها المؤمنون على الاتصاف بصفات المؤمنين عسى أن تكونوا من الذين يحبهم الله تعالى فإن النتائج بمقدماتها والأشياء مربوطة بأسبابها فاجتهدوا في الاتصاف بهذه الصفات فإن محبة الله تعالى منة وموهبة وهي لا تحصل بالدعة والكسل..
فتلك مواهب الرحمن ليست تحصل باجتهاد أو بكسب
ولكن لاغنى عن بذل جهد بإخلاص وجد لا بلعب
فاعملوا عباد الله بطاعة الله وانتهوا عما نهاكم واعلموا أن هذه الفضائل وتلك المنازل يسيرة على من يسرها الله عليه وهي حاصلة لكل من جد في طلبها وسعى في تحصيلها فإن الأمر كما قال الأول:
فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
(1) أخرجه البخاري في الإيمان برقم 16.
(2) البقرة: 165.
(3) النحل: 18.
(4) أخرجه البخاري في التوحيد من حديث عائشة رضي الله عنها برقم 7375 وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين برقم 813.
(5) أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 10593.
(6) البقرة: 152.