فهرس الكتاب

الصفحة 9218 من 9994

ومنهم الفقراء الذين لم يجدوا زادا ولا راحلة، فأتوا رسول الله يقولون: يا رسول الله، لا زاد ولا راحلة، فيبحث لهم عن زاد وراحلة فلا يجد ما يحملهم عليه، فيرجعون وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون، إنهم البكاؤون، لم يبكوا على فقد متاع أو فقد دنيا، بل يبكون على فقد جهاد وقتال في ساعةٍ عسيرة، قد تذهب أرواحهم فداء لهذا الدين الذي آمنوا به، روي عن علي بن يزيد: أنه قام من الليل يصلي فتهجد ما شاء الله ثم بكى، وقال: (اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يدي رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو حد أو عرض) ، وأصبح الرجل على عادته مع الناس فقال رسول الله: (( أين المتصدق هذه الليلة؟ ) )، فلم يقم أحد، ثم قال: (( أين المتصدق هذه الليلة؟ فليقم ) )، فقام إليه فأخبره، فقال له رسول الله: (( أبشر، فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة ) ).

ويخرج ويستخلف على المدينة عليا ، ويخيم في ثنية الوداع ومعه ثلاثون ألفا، ويأتي المنافقون الذين لا يتركون دسائسهم وإرجافهم على مر الأيام، يلاحقون أهل الخير والاستقامة، يلمزون ويهمزون، ويتندرون ويسخرون، سخر الله منهم، ويستهزئون به، الله يستهزئ بهم، يأتون إلى عليّ ويقولون له: ما خلفك رسول الله إلا استثقالا لك، فتأثر بذلك ولبس درعه وشهر سيفه يريد الجهاد في سبيل الله، ويصل إلى النبي ويقول له زعمهم، فيجيبه ويقول: (( كذبوا يا عليّ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! إلا أنه لا نبي بعدي ) )، وعاد إلى المدينة راضيا.

ويتوجه إلى تبوك، فيمر بديار ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ديار غضب الله على أهلها، فتلك بيوتهم خاوية، وآبارهم معطلة، وأشجارهم مقطعة، فاستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله: (( لا تشربوا من مائها، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا ) )، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح عليه السلام. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: لما مر النبي بالحجر قال: (( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلاّ أن تكونوا باكين ) )، ثم قنع رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي.

واستمر في طريقه إلى تبوك، وقد بلغ به الجوع والتعب مبلغا عظيما، ومع السَّحَر ينام من التعب على دابته حتى يكاد يسقط كما في صحيح مسلم، فيقرب منه أبو قتادة فيدعمه بيده حتى يعتدل، ثم يميل أخرى فيدعمه أبو قتادة حتى يعتدل، ثم يميل ميلة أخرى أشد حتى كاد يسقط فيدعمه أبو قتادة بيده، فيرفع رأسه ويقول: (( من هذا؟ ) )، قال: أنا أبو قتادة، فقال له: (( حفظك الله بما حفظت نبي الله يا أبا قتادة ) ). يقول المؤرخون:"فما زال أبو قتادة محفوظا بحفظ الله في أهله وذريته، ما أصابهم سوء حتى ماتوا". درس عظيم لمن حفظ أولياء الله فإن الله يحفظه، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء.

عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا؟ فقال: (( أوَتحب ذلك؟ ) )قال: نعم، فرفع رسول الله يديه إلى السماء، فلم يرجعهما حتى أذنت السماء بالمطر، فأطلت ثم سكبت فملؤوا ما معهم. قال: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت المعسكر.

ويتأخر عن الجيش أبو ذر ببعيره الهزيل، فماذا فعل يا ترى؟! لقد ترك بعيره وأخذ متاعه وحمله على ظهره، وينزل في أحد المنازل على الطريق، وينظر أحد المسلمين، ويقول: يا رسول الله، رجل يمشي إلى الطريق وحده متاعه على ظهره، فقال عليه الصلاة والسلام: (( كن أبا ذر، كن أبا ذر ) )، فإذا هو أبو ذر، فأخبروا النبي بذلك فقال: (( رحم الله أبا ذر؛ يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده ) ). وتمضي الأيام والأعوام ويُنفى أبو ذر إلى الرّبذة، ويحضره الموت هناك، وليس معه إلاّ امرأته وغلامه، وقبل موته أوصاهما أن يغسلاه ويكفناه ويضعاه على الطريق، وأول ركب يمر بهم يقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه، فيفعلان ذلك، ويأتي عبد الله بن مسعود ومعه رهط مسافرون، فما راعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق، فأخبرهم غلامه فاندفع عبد الله بن مسعود باكيا، يقول صدق رسول الله: (( تمشي وحدك، وتموت وحدك ) )، ثم دفنوه رضي الله عنه وأرضاه.

أيها المسلمون، وينتهي المسير برسول الله إلى تبوك، فعسكر هناك وهو مستعدّ للقاء العدو، فقام فيهم خطيبًا، فخطب خطبة بليغة، أتى بجوامع الكلم، وحضّ على خيري الدنيا والآخرة، فحذّر وأنذر، وبشّر وأبشر، حتى ارتفعت معنويات الصحابة رضي الله عنهم، وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من قلّة الزاد والمؤونة. فأقام بها بضع عشرة ليلة، فلم يجدوا بها كيدا أو يواجهوا عدوّا، ولكنهم بذلك أرهبوا الروم وحلفاءهم، وفرضوا عليهم الجزية.

وحصلت بعض الأحداث أثناء بقائه عليه الصلاة والسلام فيها، منها ما حدث به عبد الله بن مسعود قال: نمنا ليلة متعبين في تبوك، وانتبهت في وسط الليل، فالتفتّ إلى فراش النبي فلم أجده، وإلى فراش أبي بكر وعمر فلم أجدهما، وإذا بنار وسط اللّيل تضيء آخر المعسكر، فذهبت أتبعهما فإذا رسول الله حفَر قبرا، ومعه أبو بكر وعمر، وعنده سراج بيده قد نزل وسط القبر، فقلت: يا رسول الله، من الميّت؟ قال: هذا أخوك عبد لله ذو البجادين، إنه أحد الصحابة الكرام، أسلم وكان تاجرا، فأخذ أهلُه وقومُه مالَه كلّه حتى لباسه، فذهب فما وجد لباسا غير شملةٍ قطعها إلى بجادين، وفرّ بدينه يريد الله والدار الآخرة، وأخبر بخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: (( تركتَ مالكَ لله ولرسوله، أبدلك الله ببجاديك إزارًا ورداءً في الجنة، أنت ذو البجادين ) )، فلقب بذلك. يقول عبد الله بن مسعود: وأنزله إلى القبر، فوالذي لا إله إلا هو ما نسيت قوله وهو في القبر، وقد مدّ ذراعيه لذي البجادين، وهو يقول لأبي بكر وعمر: (( أدنِيا إليَّ أخاكما ) )، فدلّياه في القبر، وهو يبكي ودموعه تتساقط على الكفن، ثم وقف عليه الصلاة والسلام لما وضعه في القبر رافعا يديه مستقبلا القبلة، وهو يقول: (( اللّهمّ إني أمسيت عنه راضيًا فارضَ عنه، اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه ) )، يقول عبد الله بن مسعود: فوالله، ما تمنيت إلاّ أن أكون صاحب الحفرة لأنال دعاءه .

ورجع النبي عائدا إلى المدينة موفورا منصورا، حتى قدم إلى المدينة، ولاحت له معالمها من بعيد فقال: (( هذه طابة، وهذا أُحدٌ يحبّنا ونحبه ) )، وتسامع الناس بمقدَمه، وفرح النساء والصبيان، فخرجوا لاستقباله وهم يردّدون:

طلع البدر علينا…من ثنيّات الوداع

وجب الشكر علينا…ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا…جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة…مرحبًا يا خير داع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت