أما عن ألقابه، فقد كان يلقب بالصديق، ومعلوم منزلة الصديقين عند ربهم، وكفاه فخرًا أن ينعت بالصديق، كيف لا؟! وهو النعت الذي ناله بسبب سرعته وتصديقه لرسول الله كما كان يلقب بالعتيق، ولقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: لما سمي أبو بكر عتيقًا؟ قالت: نظر إليه الرسول وقال: (( هذا عتيق الله من النار ) ) (4) [4] . وقيل: سمي بذلك حين ولد، وقيل: سمي بذلك لجمال وجهه.
ولقب بالأواه؛ لرحمته ورأفته فهو الصديق والعتيق والأواه، رضي الله عنه وأرضاه، ولعن كل من أبغضه وعاداه.
وكان أفضل الناس إسلامًا منذ أسلم، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مواقفه المشرقة منها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] .
ذكر عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر، ذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا. ولم يستقيموا (5) [5] . وقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد عبده ورسوله. فاستقام. وكذلك أنزل الله فيه قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-جيل الصحابة فاق الخيال. 2- تفضيل الصديق على سائل الصحابة. 3- ذكر بعض فضائل الصديق. 4- موقف الصديق في الردة. 5- وفاة الصديق.
الخطبة الأولى
أما بعد:
إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الجزيرة، بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله. فأدى عليه الصلاة والسلام، الرسالة التي بعث من أجلها خير أداء، فأكمل الله عز وجل به الدين، وجعل الأمة من بعده على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقد منَّ الله عز وجل على الرسول صلى الله عليه وسلم بأن جعل له من الصحابة الكرام، ذوي الفضائل العديدة، والخصال الحميدة، الذين نصر الله بهم الإسلام فكانوا خير صحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قدَّموا بين يديه الغالي والرخيص، وضربوا من الأمثال والوقائع، ما تعجز عن تصوره العقول في بعض الأحيان، ولولا صحة هذه الأخبار التي نقرأها عن الصحابة، لقلنا بأنها ضرب من الخيال. وفي مقدمة هؤلاء الصحابة الخلفاء الراشدون، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، الأئمة المهديون، الذين قاموا بالخلافة بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم خير قيام، فحافظوا الدين، وساسوا الأمة بالعدل والحزم والتمكين، فكانت خلافتهم أفضل خلافة في التاريخ، وكان حكمهم أحسن حكم، فما ظهر ولن يظهر حكم، كحكم الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم، ورحمهم رحمة واسعة، وجزى الله الإسلام والمسلمين عنهم خير الجزاء، وإنه لتشهد بذلك أفعالهم، وتنطق به آثارهم، وقليل من المسلمين من يعرف عنهم، ويقرأ سيرتهم.
ولقد كان أجلهم قدرا، وأعلاهم فخرا، أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين خيرٌ من أبي بكر، خَلَفَ النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، بإشارة من النبي ، فقد ثبت في صحيح البخاري - أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت أرأيت إن لم أجدك، قال: (( فائتي أبا بكر ) ).
وهمّ صلى الله عليه وسلم أن يكتب كتاباً لأبي بكر، ثم قال: (( يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر ) )وفي رواية، (( معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر ) ).
وقد خلَّفه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك جعله أميراً على الناس في الحجسنة تسع من الهجرة، وكل هذا إشارة إلى أنه الخليفة من بعده، ولو كان هناك أحدٌ يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم سوى أبي بكر، لخلَّفه النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والحج.
كان أبو بكر رضي الله عنه، من سادات قريش وأشرافهم وأغنيائهم، شهد له ابن الدَّغنة، أمام أشراف قريش، بما شهدت به خديجة للرسول صلى الله عليه وسلم، حين قال له، إنك تُكسب المعدوم، وتصلُ الرحم، وتحملُ الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بادر رضي الله عنه إلى الإيمان به وتصديقه، ولم يتردد حين دعاه للإيمان، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم طوال إقامته بمكة، وصحبه في هجرته، ولازمه في المدينة، وشهد معه جميع الغزوات، أسلم على يديه، خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف.
واشترى سبعة من المسلمين الذين كان يعذبهم الكفار بسبب إسلامهم، فأعتقهم، منهم بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامر بن فهيرة، الذي صحبهما في هجرتهما إلى المدينة، ليخدمهما.
وكان رضي الله عنه، أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدلول كلامه وفحواه، فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وقال: (( إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله ) )ففهم أبو بكر رضي الله عنه، أن المخير هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى فعجب الناس من بكائه لأنهم لم يفهموا ما فهم.
وكان رضي الله عنه، أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس، (( إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته ) ).
وجاء مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى، فأقبلت إليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يغفر الله لك يا أبا بكر ) )ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى فنزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر، قالوا لا، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق الصديق رضي الله عنه أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر ما يكره، فجثا على ركبتيه، فقال يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي، فهل أنتم تاركون لي صاحبي ) )فما أوذي بعدها.
وكان رضي الله عنه أثبت الصحابة عند النوازل والكوارث، ففي صلح الحديبية، لم يتحمل كثير من الصحابة، الشروط التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، حتى إن عمر راجع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وشق عليه الأمر، وراجع أبا بكر، فكان جواب أبي بكر كجواب النبي صلى الله عليه وسلم سواء بسواء.