فاتقوا الله رحمكم الله أيها المسلمون، الأمم والشعوب كما تحقق العز والمجد يمسها الضعف والهوان. وتاريخ الإسلام ليس مجرد أحداث مدونة، ووقائع مسجلة، ولكنه عقيدة الأمة ودينها ومقياسها وميزانها وعظتها واعتبارها. التاريخ هو الكنز الذي يحفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والتجربة، وهو الذي يمدها ـ بإذن الله ـ بالحكم التي تحتاجها في مسيرة الزمن وتقلب الأحداث. والأمة التي لا تحسن فقه تاريخها ولا تحفظ حق رجالها أمة ضعيفة هزيلة ضالة عن حقائق سنن الله، مضيعة لمعالم طريقها.
أيها الإخوة: وإن شئتم مزيدًا من سيرة هذا الرجل المبارك، والقدوة الحسنة فلتعلموا أن هذا الإلف المألوف الرحيم بالغرباء قبل الأقربين غزير الدمعة شجي النشيج، هذه الرحمة والرقة لم تمنع المؤمن الصديق من أن ينهض لمبارزة ابنه الكافر يوم بدر حين شهد الحرب مع المشركين، فقد رأى من البر في الدين أن ينهض بنفسه لمبارزة ابنه، ولا يدع ذلك لأحد من المسلمين، ولكن النبي استبقاه وهو يقول: (( متعنا بنفسك يا أبا بكر ) ) (8) [1] .
ولم تكتمل القصة بعد فلقد أسلم الابن عبد الرحمن فقال لأبيه أبي بكر: (( يا أبتِ لقد أهدفت إلي يوم بدر فانحرفت عنك. فقال أبوه: ولكنك لو هدفت إلي لم انحرف عنك ) ) (9) [2] . الله أكبر ما هذه الحدة؟! وما هذا الجد والصرامة؟! وما هذا الحزم والحسم؟!
أما وصايا الحكمة وتوجيهات القيادة فلأبي بكر رضي الله عنه منها القدح المعلى. يقول لعكرمة بن أبي جهل في وصية: مهما قلت إني فاعل فافعل، ولا تجعل قولك لغوًا، لا في عقوبة ولا في عفوٍ، لا تتوعد على معصية بأكثر من عقوبتها؛ لأنك إن فعلت أثمت، وإن تركت كذبت.
رضي الله عن أبي بكر وأرضاه، وطاب ذكره حيًا وميتًا ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
(1) صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد، حديث (466) واللفظ له، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث (2382) .
(2) صحيح، صحيح البخاري: كتاب المناقب - باب قول النبي: (( لو كنمت متخذاً... ) )حديث (3661) .
(3) صحيح، أخرجه الترمذي: كتاب المناقب - باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه حديث (3661) وقال: حسن غريب وذكره الحافظ في الفتح (7/13) وصححه الألباني، صحيح الجامع (5537) وصحيح سنن الترمذي (2894) .
(4) إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (4/58) ، والطيالسي (1174) ، والطبراني في الكبير (4577) ، والحاكم (2/172-173) وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: لم يحتج مسلم بمبارك. قلت: في إسناده المبارك بن فضالة قال الحافظ: صدوق يدلس ويسوي، تقريب (6506) ، والتسوية حذف ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر ليوهم اتصال السند بالثقات، وهو أسوأ أنواع التدليس. وقد عنعن المبارك هنا، وتصريحه بالسماع عند الحاكم (3/521) إنما هو في قطعة من الحديث . ولم يصرح بالسماع في الرواية الأخرى. وانظر مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرناؤوط وغيره (27/115) .
(5) صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الزكاة - باب من جمع الصدقة وأعمال البر، حديث (1028) .
(6) صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الصوم - باب الريان للصائمين، حديث (1897) ، ومسلم: كتاب الزكاة - باب من جمع الصدقة وأعمال البر، حديث (1027) .
(7) صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد، حديث (466، 3654، 3904) ، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث (2382) .
(8) إسناده ضعيف، أخرجه الحاكم (3/474-475) ، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب فقال أهل البغي - باب ما يكره لأهل العدل... (8/186) كلاهما من طريق الواقدي، وهو متروك.
(9) إسناده ضعيف، أخرجه الحاكم (3/475) من ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي لله عنهما، وإسناده منقطع أيوب بن أبي تميمة السختياني لم يدرك عبد الرحمن رضي الله عنه.
صالح بن راشد الهويمل
غير محدد
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-نبذة تعريفية عن الصّديق 2- الصّديق الداعية 3- الصّديق المنفق 4- تضحية الصّديق 5- من مناقب الصّديق: شجاعته 6- ثبات الصديق
الخطبة الأولى
أما بعد:
عباد الله، نتحدث اليوم عن رجل عظيم، جليل القدر، رفيع المنزلة، كان اسمه عبد الله، وحقًا فقد كان عبدًا لله، عبده حق عبادته، وجاهد فيه حق جهاده، أنفق في سبيله ماله كله، ونافح عن دينه، ونصر رسوله وصدقه وآمن به، وجهل فضله كثير من الناس، وبخسوه حقه، بل حتى الخطباء، والوعاظ، والكتاب، كثيرًا ما يتجاهلونه؛ ربما لأنه كان عظيمًا بجوار عظيم، كبيرًا بجوار كبير، رؤوفًا بجوار رؤوف، فطغت عظمة الأول وقدره ومنزلته على عظمته ومنزلته. إنه عبد الله بن عثمان بن عامر، أتعرفونه؟! أم فوجئتم بهذا الاسم؟ فالصفات التي ذكرناها ليست إلا لواحد من كبار الصحابة، وعبد الله بن عثمان بن عامر من يكون؟! فنقول: لا تعجل أخي إنه أعظم الصحابة، وأفضلهم، إنه الصديق، إنه ثاني اثنين إذ هما في الغار، إنه الرجل الذي وزن إيمانه بإيمان الأمة، إنه أول الخلفاء الراشدين، وأول العشرة المبشرين، وأول من آمن من الرجال، قال عنه الحبيب: (( لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي ) ) (1) [1] . وعن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله: (( أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: ليس من النساء، قال: أبوها ) ) (2) [2] .
فعن هذا الحبيب للحبيب نتكلم اليوم، ونحن نعرف أننا لن نفيه حقه، ولا بعضًا من حقه.
ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وصحب الرسول سنة قبل البعثة، وسبق إلى الإسلام واستمر معه طوال إقامته في مكة وفي الهجرة والغار، وشهد معه المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج بالناس في السنة التاسعة في حياة الرسول ، واستمر خليفة الأرض بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، ولقب بخليفة رسول الله.
أما صفته الخَلْقِية: فقد كان أبيضًا، نحيفًا، خفيف العارضين لا يستمسك إزاره على حقويه؛ لشدة نحافته، معروق الوجه - أي: قليل لحم الوجه - غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأصابع.
أما صفاته الخُلقية: فقد جمع الفضائل كلها، وكان أشبه ما يكون بالحبيب محمد فقد كان صِدِّيقًا أوَّاه شديد الحياء، كثير الورع، حازمًا،رحيمًا، تاجرًا، كريمًا، شريفًا، غنيا بماله وجاهه وأخلاقه، لم يشرب الخمر قط؛ لأنه سليم الفطرة، سليم العقل، ولم يعبد صنمًا قط، بل يكثر التبرم منها،ولم يؤثر عنه كذبًا قط، بل كان صديقًا، وقيل في الأمثال: إن الطيور على أشكالها تقع، وهذه حقيقة تمثلت بالحبيب وصاحبه فما أشبه أحدهما بالآخر.
لما جاء الإسلام سبق إليه، وأسلم كثير من السابقين على يديه، فقد أسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة: هم عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين وورد عنه أنه قال: (( ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عتم حين ذكرته له ) ) (3) [3] . ما تردد فيه وما عتم ـ أي: ما تأخر ـ .