فهرس الكتاب

الصفحة 9209 من 9994

ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، اندهش المسلمون لذلك، حتى قام عمر رضي الله عنه، وأنكر موته، وقال: (والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من خلاف) . ولكن أبا بكر رضي الله عنه، جاء فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبله وقال: (بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتا) ثم خرج إلى الناس فصعد المنبر، فخطب الناس بقلب ثابت، وقال: (ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ، وتلا قول الله عز وجل: إنك ميت وإنهم ميتون وقوله تعالى: وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين.

ولما أراد أن يُنفذ جيش أسامة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، راجعه عمر وغيره من الصحابة، أن لا يُسير الجيش من أجل حاجتهم إليه، في قتال أهل الردة، ولكنه رضي الله عنه، صمم على تنفيذه وقال، والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا.

يقول عنه علي ابن أبي طالب (كنتَ أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأحسنهم صحبته وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدياً وسمتا، وأكرمهم عليه، خلفته في دينه أحسن خلافة حين ارتدوا، ولزمتَ منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنت كالجبل، لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، أقرب الناس عندك أطوعهم لله وأتقاهم) .

وسَأل مرة - أي علي بن أبي طالب - (أخبروني من أشجع الناس، فقالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم. قال: أبو بكر، إنه لما كان يوم بدر، فجعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً، فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منا أحدٌ إلا أبو بكر، شاهراً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يهوى إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس) .

قال علي رضي الله عنه: (ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش، فذا يجبأه وهذا يتلتله، وهم يقولون، أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً؟ قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجبأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، ثم رفع عليّ رضي الله عنه بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟فسكت القوم فقال: ألا تجيبونني؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن أيمانه. ..) .

أما عن إنفاقه في سبيل الدين، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أجود الصحابة، قال الله تعالى: وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر.

روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما نفعني مالٌ قط، ما نفعني مال أبي بكر ) )فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في مال أبي بكر، كما يقضي في مال نفسه". وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه."

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم.

بارك الله. .

الخطبة الثانية

أما بعد: يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

إلا النبي وأوفاها بما حملا

وأولُ الناسِ منهم صدق الرسُلا

إذا تذكرتُ شجواً من أخي ثقةٍ

خير البرية أتقاها وأعدلها

والثاني التالي المحمود مشهدهُ

أيها المسلمون: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب ومنعوا دفع الزكاة، عزم الصديق رضي الله عنه على قتالهم، فراجعه بعض الصحابة في ذلك. ومنهم عمر بن الخطاب، فقال له أبو بكر، أجبار في الجاهلية، خوار في الإسلام يا عمر، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.

فتحرك جيش الصديق، لقتال المرتدين، فاهتزت جزيرة العرب لهذا الحادث الجلل، فكاد أن ينفرط عقد الإسلام، فثبته الله جل وتعالى بالصديق وعاد إلى دائرة الإسلام من كان قد خرج منه بفضل الله، ثم بهذه الوقفة الصديقية في وجه تيار الردة، الذي أوشك أن تعم بلواه أطراف الجزيرة، وربما كانت ستأخذ صوراً أخرى غير صورة منع دفع الزكاة.

أيها المسلمون: إنها القيادة الحكيمة من الصديق رضي الله عنه، والقيادة الحازمة في وقت لا يناسبه إلا السيف، ولعل البعض يظن بأن فتنة المرتدين قد وأدها الصديق رضي الله عنه إلى غير رجعة.

والخليفة أبو بكر قد وأدها في عصره، لكن هذه الردة رجعت وانتشرت وعم خطرها، خصوصاً في وقتنا هذا، وتحتاج إلى وقفة صديقية أخرى.

لقد برز في هذا العصر ألوان متعددة من الردة عن الإسلام. ولعلي بهذه المناسبة أشير إلى أبرزها وأخطرها وما يتعبه من أمور. إنها ردة ما يسمى بالحرية الشخصية.

ما معنى الردة أولاً:الردة عن الإسلام أيها الأحبة هي باختصار إبدال عقيدة الإسلام بغيره، وإبدال منهج الإسلام بغيره، أو إنكار شيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ردُّ ما ثبت من الدين بالضرورة أو الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.

وما الحرية الشخصية التي يُنادى لها الآن ويروج، إلا إحدى الصور التي ذكرت.

إن التحرر الذي ينادى له أرباب الخط العلماني، والحرية التي يروجون لها هي: العبُّ من الشهوات والانطلاق وراء الرغبات، والتحلل من الفضائل والأخلاق والكرامات، وتنحية شريعة الله عن واقع الحياة.

إن الحرية الشخصية التي تطفح النداءات لها عبر كل القنوات. هي أنه لا دخل لأحد في أحد، فكل شخص يفعل ما يريد دون أي ضابط أو رادع، هذه هي الحرية التي يريدون. إن هذه الظاهرة تعد من أخبث وأخطر الظاهر التي تواجه المسلمين في عصرهم الحاضر، حيث يراد لهذه الظاهرة أن تمحو شريعة الله من الأرض، وتقصيها من واقع حياة المسلمين، ودعاة هذه الظاهرة مازال خبثهم مشتهراً، ودعوتهم تسري سريان النار في الهشيم، وعامة أمة محمد غافلون لاهون لا يدرون ماذا يحاك لهم.

إن هذه الدعوات التي تنطلق هنا وهناك، يراد لها أن تصل إلى قلوب المسلمين، ولهم في ذلك طرق ملتوية، إما من خلال برامج تليفزيونية، أو مقابلات إذاعية أو كتابات صحفية، أو هجوم شرس بشتى الصور والألوان على أصحاب المناهج المستقيمة. إن أهل الكفر الذين يغذون هذه الظاهرة ظاهرة الحرية الشخصية، والتي في حقيقتها ردة عن الإسلام، أقول إن من يغذي هذه الظاهرة قد يتسامحون بشيء من الإسلام، ولكن بالإسلام الذي لا يقاوم الاستعمار المبطن، لأن الاستعمار الصريح قد ذهب وقته.

إنه لا مانع أن يصلي الناس، ويبكون في التراويح، لكن بدون إثارة.

إن أعداء الإسلام من أرباب مذهب الحرية الشخصية، يجوزون للإسلام أن يستفتى في نواقض الوضوء، وجوب منع الحمل، لكنهم لا يجوزون أن يستفتى أبداً في أوضاع المسلمين، ولا يستفتى في قتل الأنفس البريئة وتشريد المجتمعات المسلمة في فلسطين أو في البوسنة، أو في غيرها من بلاد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت