القول الأول: يتمها صلاة سفر فحسب وهذا قول إسحاق ابن راهوية وقد اختاره بعض أهل العلم المعاصرين.
القول الثاني: أنه يتمها صلاة حضر. وهذا الذي أفتى به عبد الله ابن عمر رضي الله عنه بل قال ابن قدامه لا خلاف بين الصحابة في ذلك وهذا هو القول الصحيح وعليه أهل العلم وعليه أئمة المذاهب الأربعة.
المسألة التاسعة:
تربيع الصلاة التي يشرع قصرها: من المعلوم أن للمسافر أن يصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين كما تقدم بيانه لكن ما الحكم لو أن المسافر ربَّع هذه الصلاة أربعاً ولم يجعلها ركعتين؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال ذكرها أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأصوب هذه الأقوال أنه لو ربعها لخالف الأفضل وترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لا يعتبر آثماً، ولو اقتصر على القصر فإن القصر افضل وهو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خرج الشيخان من حديث أنس قال: ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا ) بل ذكر أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة سفر أربع ولم يصح ذلك عن أحد من صحابته في حياته صلى الله عليه وسلم أما بعد حياته فقد حصل من بعضهم كما سيأتي بيانه فعلى هذا صلاة السفر ركعتان هي الأفضل وليست واجبة فقد ثبت عن الصحابة أن بعضهم صلى صلاة السفر أربع ركعات كما ثبت عند ابن أبي شيبة من حديث عائشة أنها كانت تصلي في السفر أربع ركعات فدل هذا على أنه ليس محرماً ويؤكد ذلك ما ثبت عند عبد الرزاق عن الربيع بن فضله قال خرجنا في سفر إثنا عشر صحابي فتقدم صحابي فصلى بنا أربعاً فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه ( ما لنا وللمربوعه يكفينا نصف المربوعه نحن إلى التخفيف أفقر) في هذا الأثر ما يؤكد على أن القصر ليس واجباً وذلك أن الصحابي الذي تقدم وصلى بهم صلى صلاة السفر أربعاً ولم يصلها ركعتين فدل هذا على أنه لا يرى القصر واجباً وكذلك الصحابة الكرام الذين كانوا خلفه لو كانوا يظنون أن القصر واجب لاكتفوا بركعتين ولا ما تابعوه في الزيادة كما نبه على ذلك الشافعي وابن عبد البر رحمهما الله تعالى. فعلى هذا يكون القصر أفضل وليس واجباً.
المسألة العاشرة:
متى يترخص المسافر الذي ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة أن المسافر لا يترخص برخص السفر إلا إذا تجاوز البنيان والعمران واستدل ابن المنذر على ذلك بما خرج مسلم وغيره من حديث انس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في المدينة أربعاً ثم صلى العصر ركعتين في ذي الحليفة فدل هذا على أن القصر إنما يكون بعد مفارقة البنيان وذهب عطاء إلى صحة الترخص برخص السفر قبل مفارقة البنيان وقد وصف ابن عبد البر بأن هذا القول شاذ والصواب أنه لا يصح الترخص برخص السفر إلا بعد مجاوزة البنيان وذلك أن يقال أن النصوص جاءت بلفظ السفر والذي لم يتجاوز البنيان بعد لا يعد مسافراً فكيف يترخص برخص السفر وأما من قال بصحة الترخص قبل مفارقة البنيان قوله محتمل والأصل وجوب الصوم لمن كان عليه صوم واجب أو وجوب إتمام الصلاة بالنسبة لمن كان أتمام الصلاة عليه واجباً فعليه لا يصح لنا أن ننتقل عن هذا الأمر اليقيني إلى أمر مشكوك فيه وقد استدل بعض أهل العلم بما خرج أبو داود والترمذي عن أبي الغفاري وفي الحديث ما يوهم صحة الإفطار قبل الخروج من البنيان لكن الجواب على هذا الحديث أن يقال أولاً: لفظه محتمل كما بين ذلك ابن قدامه في المغني. ثانياً: إن في صحته كلاماً لذا لا يصح الاعتماد عليه.
المسألة الحادية عشرة:
ما حكم التطوع في السفر بصلاة السَُنن الرواتب اختلف العلماء في هذه المسألة
على قولين:
القول الأول: إن السُّنن الرواتب لا تسقط في السفر وإلى هذا ذهب أئمة المذاهب الأربعة وذهب إليه جمع من الصحابة كابن عباس وجابر وغيرها.
والقول الثاني: انه لا يصح للمسافر أن يتطوع بصلاة السنن الرواتب وإلى هذا ذهب سعيد ابن جبير وهو اختيار بعض أهل العلم وذهب إلى هذا عبد الله ابن عمر رضي الله عنه وأصح هذين القولين استحباب السنن الرواتب وذلك أن العلماء اختلفوا على قولين قول يجعلها مستحبه وقول يجعلها غير مستحبه وأنت إذا نظرت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ثبت عنه في حديث أبي قتادة أنه صلى ركعتي الفجر فدل هذا على أنه صلى السنن الرواتب في السفر ودل هذا على أن القائلين باستحباب السنن الرواتب قولهم هو الصواب لأن الذين قالوا إنها لا تصلى قد خالفوا مخالفة صريحة لحديث أبي قتادة الدال على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في السفر راتبة الفجر أما القائلون باستحباب السنن لرواتب فمن أدلتهم حديث أبي قتادة فلو جاء رجل قال لا نصلي السنن الرواتب إلا ركعتي الفجر فيقال له إن هذا القول لم يعرف عن السلف ولم يكن عليه العلماء الأوائل .
* فنخلص من هذا إلى أن الصواب أنه يستحب للمسافر أن يصلي السنن الرواتب
وأن لا يدعها.
المسألة الثانية عشرة:
ذهب أئمة المذاهب الأربعة أن صلاة الجمعة تسقط عن المسافر والقول الثاني وهو قول إبراهيم ألنخعي والزهري إلى أن صلاة الجمعة لا تسقط عن المسافر والصواب هو القول الأول لما ثبت عند أبن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه قال ( ليس على مسافر جمعة ) .
المسألة الثالثة عشرة:
الجمع في الإقامة إذا كان الرجل مسافراً فأقام في سفره هل يصح له أن يجمع الصلوات؟ اختلف العلماء على قولين وأصح هذين القولين أنه يصح للمسافر المقيم أن يجمع بين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء كما هو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ابن راهوية والدليل على ذلك ما خرج مسلم من حديث معاذ لما ذكر سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك قال: ( فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر والعصر ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء ) قال الشافعي:"فقوله ثم خرج ودخل دال على أنه كان مقيم صلى الله عليه وسلم فهذا دليل واضح على صحة الجمع للمقيم في السفر وهذا هو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى."
المسألة الرابعة عشرة:
من سافر وخرج من بيته إلى ماشية له أو ضيعة له أو مزرعة له هل يصح له أن يترخص برخص السفر في هذه المزرعة والضيعة والماشية؟ أصح قولي أهل العلم وهو اختيار مالك والإمام أحمد أنه لا يصح له أن يترخص برخص السفر وثبت هذا عن عبد الله ابن عباس وعبد الله ابن مسعود رضي الله عنهما قال إذا كان الرجل في ماشيته أو ضيعته فليتم إلا أن يكون مجتازاً فعلى هذا بعض الناس يخرج من الرياض إلى مزرعة له تبعد أكثر من مائتي كيلو متر فإذا جاء إلى مزرعته له تبعد أكثر من مائتن كيلو متر تراه يترخص برخص السفر يقصر الصلاة ويجمع إلى آخره وهذا على أصح القولين خطأ ومخالف لفتوى عبد الله ابن عباس وعبد الله ابن مسعود رضي الله عنهما وأرضاهما.
المسألة الخامسة عشرة:
ما مسافة القصر ما المسافة التي إذا أراد أن يقطعها المسافر صح له أن يترخص برخص السفر؟ هذه المسألة هي من أكثر المسائل خلافاً في باب السفر وفي أبواب الفقه عموماً وقد ذكر ابن حجر أن ابن المنذر وغيره ذكروا في المسألة نحواً من عشرين قولاً وأذكر بعض هذه الأقوال: