القول الأول: وهو القول الذي ذهب إليه الإمام مالك والشافعي وأحمد من أن مسافة القصر هي أربعة برد فمن خرج من بيته وخرج من حديقته يريد الذهاب إلى مكان والمسافة ما بين حديقته إلى هذا المكان أربعة برد أو ما يزيد على أربعة برد فله أن يترخص برخص السفر وإلى هذا القول ذهب أيضاً إسحاق ابن راهوية.
القول الثاني: وهو قول أبي حنيفة هو أن مسافة القصر هو مسيرة ثلاثة أيام كما نقل ذلك عنه ابن هبيرة في كتابه الإفصاح .
وهناك قول ثالث يرى أن المسافة لا اعتبار بها وأنه متى ما سمي الرجل مسافراً فله أن يترخص برخص السفر وإلى هذا ذهب داود وهو ترجيح ابن قدامة واختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وأنبه إلى ما أشرت إليه أن العمدة في الاستدلال هو التمسك بما جاء في كتاب ا لله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بفهم سلف الأمة وإلى أن مذهب الصحابي حجة معتبره وقد ذهب إلى حجية مذهب الصحابي أئمة المذاهب الأربعة أما إذا اشتهر فلم يخالف في حجيته إلا شر ذمة قليلة من الفقهاء المتكلمين كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين.
فعلى هذا القائلون بأنه يصح القصر في مطلق السفر ولا ينظر إلى المسافة هم محجوجون بفتاوى بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد علق البخاري وأخرج ابن المنذر بإسناد صحيح عن عطاء أن ابن عباس وابن عمر كان يصليان ركعتين ويفطران بأربعة برد فما فوق فدل هذا على أن ما دون أربعة برد ما كانوا يترخصون برخص السفر وثبت عند عبد الرزاق أن ابن عباس رضي الله عنه قال إنه حدده باليوم قال فإذا أكملت يوماً فأتم، دل هذا على أنه إذا لم يكمل يوماً فلا يتم وثبت أيضاً هذا عن ابن عمر عند مالك في الموطأ فعلى هذا نخرج إلى أن فتوى ابن عباس وابن عمر إلى أنه لا ينظر إلى مطلق السفر بل حددوه بأربعة برد وخالفهما ابن مسعود كما خرجه ابن أبي شيبة وصححه ابن حزم أنه قال ( لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم فإنه من مصركم) وهو يرى أن المسافة أكثر من أربعة برد. فدل هذا أن ابن عمر وابن مسعود وابن عباس متفقون على أن مطلق السفر لا يصح الترخص فيه بل يحددون بحد ثم اختلفوا في هذا الحد فابن عباس وابن عمر حددوه بأربعة برد أما ابن مسعود فلم يحدده بحد بل أتى بلفظ عام لذلك ذكر ابن عبد البر أن قول ابن عباس وابن عمر هو الصواب لأنهما قد حددا وفي الغالب لا يحدد أحدٌ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا وهو معتمد على نص شرعي.
فنخلص من هذا إلى أن الصواب إلى أن من سافر مسافة أربعة برد فله أن يترخص برخص السفر أما من كان دون أربعة برد فليس له أن يترخص برخص السفر معتمدين في ذلك على قول عبد الله ابن عمر وابن عباس كما تقدم بيانه. فإن قلت قد حددوا باليوم من حيث الزمان وحددوا بأربع برد من حيث المسافة أليس هذا تعارض! فيقال ليس هذا تعارضاً كما نبه على ذلك مالك وغيره لأن المعتاد عندهم أن الرجل يقضي في اليوم مسافة أربعة برد، والبريد يساوي أربعة فراسخ والفرسخ الواحد يساوي ثلاثة أميال فإذا أضربت أربعة برد بأربعة فراسخ صار المجموع ستة عشر فرسخاً ثم ضربت هذا في ثلاثة أميال صار المجموع ثمانية وأربعين ميلاً والميل الواحد تقريباً كيلو وستمائة متر فإذا ضربت خرج المجموع فيما يقرب من سبعة وسبعين كيلو متراً فمن كانت مسافة سفر ه تساوي هذا بالكيلوات فإن له أن يترخص برخص السفر أما ما كان دون ذلك فليس له أن يترخص برخص السفر على أصح اقوال أهل العلم كما تقدم بيانه.
المسألة السادسة عشرة:
مدة القصر في السفر من سافر هذه المسافة أو ما زاد عليها ثم جلس وأقام في سفره كم المدة التي يصح له فيها أن يترخص برخص السفر ؟ في هذه المسألة أربعة عشر قولاً وقبل أن اذكر القول الراجح أنبه إلى أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سنة قوليه تفيد التحديد وأنبه أيضاً إلى أن أقوال الصحابة كابن عمر مضطربة في الباب وكذا ابن عباس لذلك لا يصح التعويل عليها لأن أقوالهم مضطربة كما بين ذلك الشيخ الدكتور إبراهيم الصبيحي في رسالة له مختصة بالسفر فعليه لا يصح أن نرجع إلى أقوال الصحابة لأنها مضطربة ومتناقضة وأنبه أيضاً إلى تنبيه مهم وهو أن بعض أهل العلم قال إن للمسافر أن يقصر مهما طالت به المدة بما أنه يسمى مسافراً وهذا القول إن بدا في ظاهرة قوياً إلا أنه قول مخالف للإجماع حكى الإجماع على ذلك إسحاق ابن راهوية كما نقله ابن المنذر في الأوسط فلا يصح لنا أن نقول بقول هو مخالف للإجماع ومن قال بهذا القول فهو محجوج بالإجماع الذي حكاه إسحاق ابن راهوية وما أدراك من إسحاق ابن راهوية في سعة العلم والإطلاع ومعرفة أقوال الرجال. فعليه إذا أردنا ننظر إلى الأدلة التي في الباب نجد أن عندنا في الباب دليلين دليلاً فعلياً قولياً ودليلاً عملياً.
الدليل الفعلي هو أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من المدينة إلى مكة صلى أول صلاة في مكة هي صلاة الظهر في اليوم الرابع فقد جاء صبيحة اليوم الرابع كما في حديث جابر وابن عباس ونص على هذا الإمام أحمد وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى اليوم الرابع واليوم الخامس واليوم السادس واليوم السابع ثم صلى الفجر في الأبطح فالمجموع أنه جلس صلى الله عليه سلم عشرين صلاة فجلس عشرين صلاة يقصر ويترخص برخص السفر صلى الله عليه وسلم هذا من جهة فعله صلى الله عليه وسلم وإذا نظرت أيضاً لما خرج الشيخان من حديث العلاء ابن الحضرمي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ) هذا الحديث يدل على أن المهاجر لا يصح له أن يمكث بعد هجرته أربعة أيام وإنما يمكث ثلاثة أيام فإن قلت لماذا لا نقتصر على الأيام الثلاثة فحسب ولا نزيد عليها ولو فرضاً واحداً فيقال انظر إلى السنة العملية تجده صلى عشرين صلاة فتخلص من هذا إلى أن للمسافر أن يترخص برخص السفر إذا كان مقيماً ما لم يتم أربعة أيام لأن اليوم الذي يلي اليوم الثالث هو اليوم الرابع ولوزاد عن اليوم الثالث ولم يصل إلى الرابع فله أن يترخص برخص السفر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما قصر وترخص برخص السفر عشرين صلاة فإذا الرجل لم يتم أربعة أيام فله أن يترخص برخص السفر وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد كما عزاه إليهم الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى فمن أراد أن يقيم أربعة أيام تامة فليس له أن يترخص برخص السفر وهذا هو قول سعيد ابن جبير.
المسألة السابعة عشرة:
من ذهب مسافراً ثم أقام وهو لم ينو الإقامة وإنما جاء لحاجة ولا يدري متى تنتهي حاجته فله أن يقصر ولو جلس سنيناً، وعلى هذا إجماع أهل العلم كما حكى الإجماع ابن المنذر وابن قدامه.
هذه جملة مسائل السفر التي فيما أظن إنه يحتاج إليها كثيرون، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقني وإياكم للقول الذي هو على هدي رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقبل أن اختم انبه إلى ضبط هذه المسائل وإلى تعليم الناس لها، وفي المجامع، وعند سفرنا مع بعض أقاربنا، نعلمهم أحكام السفر لأن كثيرين يكونون جاهلين بأحكام السفر وفي الوقت نفسه لا يصح لنا أن نتنازع على أكثر هذه المسائل لأنها من جنس المسائل التي يسوغ الخلاف فيها ولكن نعلم الناس السنة بدليلها فمن استجاب واقتنع بالدليل الذي تورده وبقولك فالحمد لله ومن اقتنع بقول عالم آخر وبدليل آخر فله أن يفعل ذلك من غير نكير ولا تشديد .