فهرس الكتاب

الصفحة 8927 من 9994

وبعد هذا أذكَّر بجملة مسائل مهمة متعلقة بالسفر أسأل الله أن ينفع بها

بمنه وفضله.

المسألة الأولى:

سفر المعصية. اختلف العلماء في سفر المعصية هل يصح للمسلم أن يترخص برخص السفر من قصر وجمع في السفر. ذهب جماهير أهل العلم كالإمام مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يصح للمسلم أن يترخص برخص السفر في سفر المعصية والقول الثاني جوز أن يترخص المسلم في سفره وقالوا: إنه عاص بسفره لكنه يترخص برخص السفر لإن الشريعة جاءت برخص السفر عامة ولم تفرق بين سفر وسفر . وهذا هو قول أبي حنيفة وعليه طائفة من الخلف والسلف ونصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو الصحيح لأن النصوص جاءت عامه في الترخص برخص السفر ولم تفرق بين سفر وسفر ولو كان الشارع يريد التفريق بين سفر وسفر لنبه على ذلك ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) (مريم: من الآية64) .

المسألة الثانية:

ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يترخص برخص السفر إلا إذا كان السفر في سفر طاعة، كحج وعمره وجهاد وأما السفر المباح فلا يصح له أن يترخص برخص السفر وهذا قول عبد الله ابن مسعود فيما ثبت عنه رضي الله عنه.

والقول الثاني وعليه جماهير أهل العلم وهو الذي نصره أئمة المذاهب الأربعة إلى أن المسلم يترخص في سفر الطاعة وفي السفر المباح أيضاً وهذا هو الثابت عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه فقد سافر إلى مزرعة له في خيبر فقصر وترخص برخص السفر رضي الله عنه وأرضاه فالصواب هو القول الثاني وهو أنه يصح للمسلم أن يترخص برخص السفر حتى في السفر المباح وليس هذا خاصاً بسفر الطاعة لعموم النصوص التي جوزت الترخص برخص السفر ولم تفرق بين سفر الطاعة وغيره.

المسألة الثالثة:

الصلاة التي تقصر في السفر هي صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة العشاء، أما صلاة الصبح وصلاة المغرب فلا تقصر في السفر وعلى هذا إجماع أهل العلم كما حكاه ابن المنذر وابن عبد البر رحمهما الله تعالى.

المسألة الرابعة:

هل يشترط فيمن أراد القصر والجمع أن يكون ناوياً للقصر والجمع؟ بمعنى لو أن رجلاً دخل خلف إمام فقصر الإمام وهو لم ينو القصر هل يصح له أن يقصر أم لا؟

ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه يصح للمسلم أن يقصر صلاته وأن يجمعها من غير نية كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وخالف الشافعي وأشترط النية ورد على هذا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وذكر أن الصحابة والتابعين لم يشترطوا للقاصر وللجامع نية القصر والجمع. فإذا كان لا يوجد هناك دليل

يشترط هذا الشرط فالأصل عدم هذا الشرط إلا بدليل شرعي ثم لو كان هذا الشرط مطلوب في الشريعة لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولفعله الصحابة الكرام فلما لم يكن كذلك دل على أن هذا ليس شرطا من شروط

القصر والجمع.

المسألة الخامسة:

من نسي صلاة وهو في حضر ثم تذكَّرها وهو في السفر فهل يصليها قصراً أم يصليها صلاة حضر؟

حكى الإمام أحمد رحمه الله تعالى إجماع أهل العلم على أنه يصليها صلاة حضر.

* تنبيه:

شاع عند الكثير عدم الاحتجاج بالإجماع ويتمسكون بكلمة للإمام أحمد رحمه الله تعالى من قوله ( من ادعى الإجماع فقد كذب ) قال رحمه الله ( وما يدريه لعل الناس قد اختلفوا ) .

وهذه الكلمة ليست على إطلاقها فإن الإمام أحمد نفسه رحمه الله تعالى قد حكي الإجماع في مسائل كثيرة في الشريعة فهو الذي قال هذه المقولة قد حكي الإجماع في مسألتنا هذه، وهو الذي حكى الإجماع أيضاً على أن أطفال المسلمين في الجنة، وهو الذي قال: لا يختلف المسلمون على أن الدم نجس، إلى أخر كلامه الكثير في حكاية الإجماع رحمه الله تعالى فهذا يدل دلالة واضحة على أن الإمام أحمد لا ينكر الإجماع كيف ينكر الإجماع وهو معتمداً عند أهل السنة، وأول من أنكره النظَّام المعتزلي كما ذكر ذلك ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ، وأشار إلى هذا ابن قدامه في روضة الناظر ، فالإجماع حجة عند أهل السنة وهو أصل من أصولهم ولا ينكره إلا أهل البدع، ولا أحب أن أطيل الكلام حول هذا ولا أريد أن أطيل الكلام فيه ولكني أردت اهتبال هذه الفرصة في بيان أن الإجماع حجة في الشريعة ولم يخالف في حجيته إلا أهل البدع من المعتزلة وبعض الشيعة كما حكاه ابن تيمية رحمه الله تعالى وقد منَّ الله علي وان تكلمت على حجية مذهب الصحابة وعلى حجية الإجماع في كلمة فمن أرادها فليرجع إليها [1] .

المسألة السادسة:

من كان في حضر وتذكر صلاة سفر قد نسيها فهل يصليها صلاة سفر؟

الصواب أنه يصليها صلاة سفر على أصح القولين وهو قول أبي حنيفة ومالك ، فإن العبرة بوقت الوجوب لا بوقت الأداء والدليل على ذلك المسألة التي تقدمت فإن من تذكر صلاة حضر في سفر فإنه يصليها صلاة حضر نظراً إلى وقت الوجوب لا نظراً إلى وقت الأداء.

المسألة السابعة:

صلاة المسافر خلف مقيم وهو لم يدرك من صلاة المقيم إلا ما دون الركعة هل يلزم هذا المسافر أن يتم الصلاة بصلاة حضر أم أنه يصليها بصلاة سفر ركعتين؟ فلو أن مسافراً صلى خلف مقيم ولم يدرك من صلاة المقيم إلا ما دون الركعة كأن يكون دخل مع الإمام وهو في التشهد الأخير فإنه إذا سلم الإمام قام ليقضي بقية الصلاة هل يكتفي بركعتين أم يصليها صلاة حضر أربع ركعات ، في المسألة قولان:

وهي مبنية على مسألة أخرى بماذا تدرك الجماعة اختلف العلماء بماذا تدرك الجماعة على قولين:

1-القول الأول: أن الجماعة تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام فمن استطاع أن يكبر تكبيرة إحرام خلف إمام فقد أدرك الجماعة فلو جاء في التشهد الأخير وكبر تكبيرة الإحرام فقد أدرك صلاة الجماعة وهذا هو مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة وقد روي في ذلك أثر عن عبد الله ابن مسعود ولكنه

لا يصح.

2-القول الثاني: أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فمن أدرك ركعة من الصلاة خلف الإمام فقد أدرك الجماعة وهذا هو قول الإمام مالك وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو الصواب وقد نصر هذا القول الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى ورجحه من ستة أوجه من هذه الأوجه ما خرج الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة ) .

يقول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وهذا نص في الباب وأيضاً مما يدل على هذا أن الصحابة الكرام اجمعوا على أن من لم يدرك ركعة من صلاة الجمعة خلف الإمام فإنه يصليها ظهراً ولا يصليها جمعة ) حكى إجماع الصحابة على ذلك أبو العباس ابن تيمية وهذه مثلها. ومن المرجحات أيضاً أن الشريعة لم تعلق شيئاً على إدراك تكبيرة الإحرام بخلاف إدراك ركعة كاملة كما تقدم بيانه. فعلى هذا لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة كاملة فمن أدرك دون ركعة لم يدرك الجماعة. فنرجع إلى مسألتنا وهي إذا أدرك المسافر دون الركعة مع المقيم فهل يصلي صلاة حضر أم صلاة سفر على أصح القولين فيما تقدم بيانه أنه يصليها صلاة سفر ولا يكون بذلك مدركاً للجماعة وهذا هو قول الأوزاعي وهو اختيار الإمام مالك وقول الإمام أحمد وهو الصحيح كما تقدم بيانه.

المسألة الثامنة:

إذا أدرك المسافر أكثر من ركعة مع الإمام المقيم ثم قام ليقضى ما فاته هل يقضيها صلاة حضر أم صلاة سفر؟ فلو أن مسافراً جاء خلف مقيم وأدرك من صلاة المقيم ركعة فهل المسافر يكتفي بركعة أخرى فتكون صلاته صلاة سفر أو أنه يتمها أربع ركعات المسألة فيها قولان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت