فهرس الكتاب

الصفحة 8394 من 9994

ومن المؤثرات الفعلية التي تدخل ـ أيضاً ـ في إطار عمل المرأة، أمرٌ لا تُكتشف خطورته وسلبياته إلا بعد الوقوع فيه، وذلك الأمر هو أن بعض النساء تهتم بالجانب العملي أكثر من اهتمامها بالجانب الاجتماعي الذي تعيش فيه، وتقدم الوظيفة على الزواج، فترفض كل من يتقدم لها بحجة أنها تريد تحقيق مكانة في عملها، وتكون عنصراً بارزاً، فلا تريد أن يشغلها الزواج عن هذه الغاية التي تسعى إليه، أو أن يحدث أمر آخر وهو: أنها في زحمة انشغالها وانهماكها في عملها لا يكون لديها متسع من الوقت لتفكّر في الزواج، أو بالأصح لا تريد أن تجعل لنفسها وقتاً حتى تفكر في الزواج.. وذلك ظناً منها أن العمل وحده كفيل بأن يحقق لها السعادة، فإذا تقدم بها العمر، وانكشفت لها الحقيقة، علمت أنها كانت تجري وراء سراب، وأن العمل الذي ضحَّت براحتها ووقتها من أجله لم يحقق لها السعادة الحقيقية والاستقرار العائلي الذي تريد، بل إنها نسيت ما هو أهم من العمل، نسيت أن تتزوج، وأن يكون لها زوج تسكن إليه ويأوي إليها، ويتحمل عنها كثيراً من الأعباء ليحقق لها حياة هانئة.

ولكنها لم تكتشف كل ذلك إلا بعد أن تقدم بها العمر، وأحاطت بها المخاوف، واستقرت في قلبها الهموم، ولم تعد تملك إلا الندم والتأسّف على عمرها الذي ارتحل، وقد سلكت طريقاً انحرف بها عن الجادّة الصحيحة.

فها هي خسرت الأسرة والزوج والأولاد.. ولم يبق معها إلا المكانة التي كافحت من أجل أن تصل إليها، بل وحتى هذه المكانة ستزول عنها ذات يوم، وتعطى لغيرها، فماذا يبقى معها؟!.

وقفت أستاذة جامعية أمام طلبتها وطالباتها تلقي خطبة الوداع بمناسبة استقالتها من التدريس فقالت:

"ها أنا قد بلغت الستين من عمري، وصلت فيها إلى أعلى المراكز، نجحت وتقدمت في كل سنة من سنوات عمري، حققت عملاً كبيراً في المجتمع، كل دقيقة في يومي كانت تأتي عليّ بالربح، حصلت على شُهرة كبيرة، وعلى مال كثير، أتيحت لي الفرصة أن أزور العالم كله.."

ولكن هل أنا سعيدة الآن بعد أن حققت كل هذه الانتصارات؟..

لقد نسيت في غمرة انشغالي في التدريس والتعليم والسفر والشهرة أن افعل ما هو أهم من ذلك كله بالنسبة للمرأة..

نسيت أن أتزوج، وأن أُنجب أطفالاً، وأن أستقر.

إنني لم أتذكر ذلك إلا عندما جئت لأقدم استقالتي، شعرت في هذه اللحظة أنني لم أفعل شيئاً في حياتي، وأن أجد كل الجهد الذي بذلته طوال هذه السنوات قد ضاع هباءً.

سوف أستقيل، ويمر عام أو اثنان على استقالتي وبعدها ينساني الجميع في غمرة انشغالهم بالحياة..

ولكن لو كنت تزوجت، وكوّنت أسرة كبيرة، لتركت أثراً كبيراً وأحسن في الحياة.

إن وظيفة المرأة هي أن تتزوج وتكوِّن أسرة، وأيُّ مجهود تبذله غير ذلك لا قيمة له في حياتها بالذات.

إني أنصح كل طالبة أن تضع هذه المهام أولاً في اعتبارها..."."

فهذا اعتراف من امرأة مرَّت في هذه التجربة الأليمة وخرجت منها وقد خسرت أمراً من أهم مقومات الحياة السعيدة.. خسرت أن يكون لها زوج وأولاد تعيش بينهم، وتنعم بحياة طيبة هانئة، بعيدة عن مشاكل الحياة ولأوائها.

وهذه الواقعة تبيّن حال كثير من النساء اللاتي وصلن إلى نفس النتيجة، وقد جلسن بغير زواج، تتحسّر إحداهن على فوات عمرها بسبب أنها غلّبت جانب الكماليات على الجانب المهم في حياتها، وقد كانت تظن أن الوظيفة وتحقيق المنزلة المرموقة تغنيها عن الزواج والاستقرار العائلي ولكن..

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول

فإذا انكشفت لها الحقيقة التي كانت تعيش في غفلة عنها، واصطدمت أحلامها في صخور الواقع، علمت أنها كانت تركض وراء سراب، وانها أبحرت في بحر متلاطم الأمواج، قذفت بها أمواجه إلى الساحل دون أن ترجع منه بشيء، فوقفت حائرة تصارع الهموم، وتنتظر أن يطرأ على حياتها ما يغير الواقع الذي تعيش فيه.

الانحراف الأخلاقي..

لا شك أن الانحراف الأخلاقي قَلَّ أو كثر له دور بارز في هذه المسألة الشائكة، ويدور هذا السبب المؤثر على أطراف عِدَّة، وأخطر هذه الأطراف هي المرأة.

وذلك لأن الرجل لو كان منحرفاً، فإن هذا لا يؤثر على موقفه، ولو أراد الزواج وجد أمامه عرضاً كبيراً من النساء، خصوصاً في وقت انعكست فيه المفاهيم..!!.

ولكن ليس هو الحال بالنسبة للمرأة..

فالمرأة التي تتعرف على رجل، ويربطها به علاقة مشبوهة، كثيراً ما تكون هذه العلاقة حيلة لبعض الشباب العابث ليغرّر بهذه الفتاة، ويستعمل معها الأساليب الماكرة، ويصوّر أنها الحلم الذي كان يسعى للوصول إليه، وأن الزواج منها هو الهدف الذي يسعى لتحقيقه، وأنها هي ضالته الني كان يبحث عنها زمناً طويلاً حتى وجده، ويستمر بمخادعتها حتى ينال بغيته منها..

حتى إذا الوغد أروى من الفتاة غليله قال اللئيم وداعاً ففي البنات بديلة

فإذا نال بغيته منها رمى بها، وذهب يبحث عن ضحية أخرى ليكمل معها مشوار انحرافه.

وحين تُعرف هذه المرأة في ذلك، ويشيع أمرها بين الناس أنها من أهل المعاكسات وتردّي الخلق، يكون ذلك عائقاً من أن يتقدم أحد للزواج منها، بل والمصيبة أنها لو أقلعت عن هذا الخطأ، وتركت ذلك السبيل الموحش، وتابت إلى الله، فإن الصورة القديمة غالباً ما ترسخ في أذهان الناس، وتترك انطباعاً سيئاً في نفوسهم فيستمر الإعراض عنها، والبحث عن سواها.

والواقع أنه في كثير من المجتمعات الطيّبة المحافظة، إذا انحرفت الفتاة فإن ذلك يتسبب في الإعراض عنها وجلوسها بغير [زواج] إلى سن متأخرة، على الأقل في مجتمعها الذي تعيش فيه.

وذلك.. أن الرجال ـ وحتى المنحرف منهم ـ إذا فكّر الزواج لا يفكّر إلا بامرأة ذات سمعة طيبة وسلوك حسن ليرتبط به، وأما الأخرى فإنه أصلاً لا يفكّر مجرد التفكير أن يتزوجها، وأن يجتمع معها تحت سقف واحد.

وليت المأساة تنتهي عند هذا الحد، لكن المصيبة أن انحراف واحدة يعود بالضرر على غيره، وذلك أنه في بعض المجتمعات إذا كانت هذه المنحرفة لها أخوات، فإن انحرافها يؤثر على أخواتها، ويتسبب في تأخير زواجهن، وإعراض الرجال عنهن، حتى ولو عُرِفن بالاستقامة وحسن الخلق.

وذلك أن الرجل إذا أراد أن يتقدم لهذه الفتاة الطيبة تذكّر صلتها الوثيقة بأختها المنحرفة، وأن هذه المنحرفة ستكون خالة لأولاده، فهذا يجعله يحجم عن فكرة الزواج، والبحث عن امرأة في بيت آخر.

ولعل هذا الانحراف يستمرّ فتتسبب تلك الضائعة بعنوسة أخواتها، أو على الأقل بتأخير زواجهن بسبب طيشها وغفلتها عن العواقب الوخيمة الناتجة من جرّاء فعلتها المشينة، وهذا موجود، وليس بدعاً من الأمر، بل هو مشاهد في المجتمعات الطيّبة التي ما زالت تحتفظ بأصولها العريقة وأخلاقها السامية.

لذلك فإن الواجب على المرأة أن تقدر خطورة هذه الخطوة، وتحذر من الوقوع فيها، وتبتعد عن الطريق الذي يؤدي إلى هذه النتيجة المؤلمة، فتجر الحسرات على نفسها وعلى غيرها..

حسرات ما إلى رد مثلها سبيل ولو ردّت لهان التحسّر

ولتعلم الفتاة علماً يقيناً أن السمعة الطيّبة والسيرة الحسنة لها دور كبير، بل ومن أعظم الأمور المؤدية لتيسير زواجها، لأن الكثير من أهل الغيرة إذا أراد أن يتزوج لا يقدم إلا على امرأة صاحبة خلق يثق بها، ويعلم أنها تحفظ غيبته عنها وكأنه عندها.

وهذه من خير النساء كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال فيما صَحَّ عنه:"خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك" [15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت