فهرس الكتاب

الصفحة 8393 من 9994

فهي درست واجتهدت حتى تصل إلى المنزلة التي تريد، وتحصل على الشهادة العالية.. ولكنها أهملت الأهم من هذا وهو الاستقرار العائلي الذي تحلم به كل فتاة.. وإن أبدت غير هذا.

فها هي غلّبت جانب السعادة الزائفة على السعادة الحقيقية، ولم تستيقظ من غفلتها إلا وقد فات من عمرها الكثير.. فماذا كانت النتيجة؟..

همٌّ.. حسرة.. وتَنَدُّم على الماضي..ٌ

كتبت إحداهن تقول: (أنا التي جنيت على نفسي) ..

"تصدر مني تنهيدة يصحبها سيل جارف من الدموع التي تنطلق من عينيّ اللتين أصبحتا مأوى للأحزان، وملاذاً للهموم."

كنت أقول: هذا لا يعجبني، وهذا لا يناسبني، وهذا ليس معه المؤهلات التي توازي مؤهلاتي، وذاك ليس غنياً، مواصفاته لا تتفق مع مواصفاتي.. وأنا أعلم أنه عبث، وتخبُّط، وشروط تعجيزية لا مبرر لها..

لقد جنيت على نفسي.. ها أنذا أعيش وحيدة لا أنيس ولا قريب، الكل مشغول بنفسه وحياته، لقد نسيني الجميع، لم يسأل عني أحد بعد أن كنت محور اهتمام الجميع.

وبدأت المخاوف تنتابني منذ ذلك اليوم الذي رفضت به آخر طارق لبابي، لقد أغلقته في وجوههم جميعاً، واليوم ها هم يردّون عليّ بالمثل.

لقد أصبحت كلمة (عانس) تردد على مسمعي وبصفة يوميّة.

طالباتي في المدرسة يقلن: مسكينة، إنها تصب جام غضبها علينا لأنها (عانس) لم تتزوج، (لو فيها خير ما جلست إلى الآن) .

أصبحت كلمة (عانس) بمثابة الخنجر الذي يصيب صميم فؤادي، بل إن وقع هذه الكلمة على نفسي أشد مليون مرة من طعنة خنجر"."

ها هي لم تجن بعد مضي عمرها إلا الندم والتحسّر على عمرها الذي ضاع من بين يديها، وهذا هو حال شبيهاتها.

إن بعض النساء وهي في نشوة السعادة المزعومة، وفي شدة انهماكها بالدراسة والسعي وراء تحقيق الأمنية المنشودة، تتجاهل كل شيء يعترض طريقها، ولا تفكر بما يؤول إليه أمره، ولكن سرعان ما ينقشع ذلك الظلام الذي خيّم على عينها، وتستبين الحقائق.

ثم إذا استيقظت من نومها العميق، وتجلّت لها الحقائق، وجدت أن تلك الغاية المزعومة التي سعت إلى تحقيقها من خلال الدراسة لا تساوي شيئاً بالنسبة لأن يكون عندها بيت وزوج وأولاد، وهناك تجد أن الموقف الذي كانت تسعى إلى أن يحقق لها السعادة كان سبباً في شقاوتها..

ومنظر كان بالسراء يضحكني يا قرب ما كان بالضراء يبكيني

وأما المرحلة الثانية التي تَمُرُّ على المرأة العاملة، فهي نوع المجال الذي تعمل به.

وهذا ـ أيضاً ـ له دور فعّال وسلبي في تأخير الزواج إلى سن متأخّرة، ومثال ذلك: أن بعض النساء تعمل في مكان تختلط فيه مع الرجال، مما يؤدي إلى فقدانها كثيراً من أنوثتها، وكسر الحاجز الواجب وجوده في التعامل مع الرجال، فتجدها تتعامل معهم في غاية اللامبالاة، وكأنها تتعامل مع بنات جنسها بحجة الزمالة!!..

وهذا لا يسلم منه إلا القليل النادر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بل وأحياناً يكون الأمر صادراً عن طيب نيّة، فتجد المرأة تمزح أو تضحك مع زميلها أو رئيسها في العمل ولا تتحرّج منه، وكأنه أحد محارمه، وهذا بسبب كثرة الممارسة، و.. (كثرة المساس تميت الإحساس) .

وكثيراً ـ ولا نقول قليلاً ـ ما يؤدي هذا الاختلاط المشين إلى قيام علاقات غير شرعيّة تؤدي بهذه المرأة إلى الزهد في الزواج، أو بانتظار وعد بالزواج من شخص لعّاب له أهداف دنيئة، وليس له مقصود من وراء ذلك إلا اللعب واللهو وإشباع رغبته من الصيد السهل، الذي جاءته إلى حيث مكانه، وأطاعته إلى حيث يريد الدفع بها.

فإذا نال بغيته منها رمى بها واندفع يبحث عن صيد آخر، وأنكر الوعود المعقودة بالزواج منها..

وهذه النتيجة متوقعة وليس بمستغربة، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كما لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينزل الفجار منازل الأبرار، فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله" [14] .

وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، والحقيقة التي لا مفرّ منه، فإن الذي يريد طريق العفة لا يتخذ هذه الأساليب المشينة والعلاقات المحرمة طريقاً له، بل يأتي البيوت من أبوابها.

ولكن الحقيقة أن هؤلاء الشباب لم يفكروا بتلك المرأة زوجة، بل فكروا بها محطة للعبث والعبور، فإذا انتهوا منها نزلوا في محطة أخرى.. وحين يفكرون بالراحة والاستقرار فإن كثيراً منهم يبحث عن امراة لم يخالطها كدر هذا الاختلاط وما يؤدي إليه من النتائج السلبية.

والشاهد مما تقدم: أن العمل الاختلاطي كثيراً ما يصرف أنظار الرجال عن هذه المرأة، لأن الخاطب يرى أن هذه المرأة التي عملت بين صفوف الرجال قد فقدت شيئاً مهمّاً ممّا خصها الله به، لذلك تجد كثيراً من الشباب يعرض عن المرأة التي عملت في هذه الأمكنة المختلطة، ولا يفكر بها زوجة، ولا يحدث ذلك إلا في حالات قليلة نادرة.

بل والأمر المحيّر أن بعض النساء مع تقدمها في العمر، ودخولها المرحلة الحرجة، وضآلة فرصة الزواج بالنسبة لها، إلا أنها إذا تقدم لها رجل يرغب في الزواج منها، ويطلب منها أن تترك العمل، وتتفرغ لبيتها ترعاه وتدير شؤونه، ترفض ذلك وتعتبره كبتاً لحريتها، بل وتضع بقاءها على وظيفتها شرطاً أساسياً مقابل الموافقة على الزواج، مما يؤدي إلى انصراف الخاطب عنها، والبحث عن سواها.

وهذا أمر خطير جداً..

فمع أن هذه المرأة دخلت في سن حرجة، والزواج بالنسبة لها في هذه الفترة فرصة، لأن الذين يتقدمون لها وهي في هذه السن قلّة، لأن الكثير يبحثون عن صغيرات السن في وقت ضجت به البيوت بالنساء، ومع ذلك أخذت تشترط وكأنها ما زالت صغيرة في السن، والكل سيوافق على شرطها مقابل أن يفوزوا بالزواج منها.

فلابد من وضع الأمور في نصابها الصحيح.. وهذه هي الحكمة، لأن الإنسان أحياناً يكون هو صاحب الكلمة، ولكن في أحيان أُخرى تُفرض عليه بعض الأمور التي لا يملك إلا التسليم والقبول بها.

وعلى الإنسان الحكيم أن يقدم الأمور المهمة على ما سواها.. فماذا يساوي عمل المرأة ـ على ما فيه من الشقاء والنكد وضياع العمر ـ إذا ما قابلناه بما هو أهم منه، وهو الاستقرار والراحة وتكوين أسرة؟؟.

ولا يفهم من هذا الكلام أننا نقصد أن عمل المرأة مهم، بل إن الواقع خلاف ذلك، إذ أن عمل المرأة في كثير من الأحيان وكثير من الأمكنة ضرره أكبر من نفعه.

ثم إن طبائع الناس تختلف من شخص إلى آخر، ولعلّه يقدّر لهذه المرأة أن لا يتقدم لها إلا من هم على نفس هذه الفكرة ـ بأن تترك العمل وتتفرغ لبيتها ـ، وهذا أيضاً يختلف باختلاف المجتمع التي نشأت وعاشت فيه.

فيجب على المرأة أن تراعي كل هذه الأمور، وتراعي المحيط الذي تعيش فيه، وأن تقدّر الأمور بقدرها، وتجعل نظرتها بعيدة إلى ما يؤول إليه مصيره، فإذا جاءها الزوج المناسب الذي ترضى دينه وخلقه تقبل به، وتترك هذا الشرط الذي لا يساوي شيئاً، بالنسبة لأن تكون أمّاً، وزوجةً، ومربيةً فاضلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت