أين هذا وأمثاله عن قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار" [8] ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من كان له أختان أو ابنتان فأحسن إليهما ما صحبتاه، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ـ وقرن بين أصبعيه ـ" [9] .
فأين الإحسان إلى هؤلاء النساء؟ وأين حسن الصحبة؟ أم أن المادية طغت حتى على مشاعر الأبوّة والأخوّة، فجعلتها تتحول إلى وحشية عارمة، لا تفكر إلاّ (بالكم) ، دون التفكير في مصلحة تلك الفتيات الأسارى في البيوت، واللاتي ينتظرن بصيصاً من نور يكتشف الظلمة الحالكة التي خيّمت على أعينهن طويلاً..
ولو كان سهماً واحداً لاتّقيته ولكنه سهم وثان وثالث
فبالرغم من الأسباب المذكورة والتي تصدر من المحيط العائلي للمرأة إلا أن هناك ما هو أعظم جرماً من ذلك.
وهو: أن في بعض المجتمعات القبلية عادة تسمى (التحجير) .. وهذه العادة السيئة الرديئة تعني: أنه لا يحق للفتاة أن تتزوج إلا من ابن عمها، فإن رفضت وكانت لا تريده لأي سبب كان، إما لأنه لا يناسبها، أو لخلل في أخلاقه، أو لأنه يكبرها بكثير في العمر، أو لأن التكافؤ بينهما معدوم في أمور معينة، أو خلاف ذلك من الأسباب، فإنه عند ذلك يقوم بمنعها من الزواج من سواه، ولو أدّى ذلك إلى أفدح النتائج.. فإما أن تتزوجه، أو عساها أن تجلس إلى آخر العمر بغير زواج.
وهذه العادة الرديئة المنتنة، التي تنُّم عن تحجّر عقول فاعليها، لطالما وقع ضحيتها كثير من النساء اللاتي لا حول لهن ولا قوة.. وكم من فتاة ذات خلق ودين وعفة ظلت حبيسة الجدران بغير زواج، لأنها رفضت الزواج من ابن عمها الفاسق المستهتر، فعاندها وحجر عليها، فأصبحت بين اختيارين (أحلاهما مر) : إما أن تبقى بدون زواج.. أو أنها ترضى بابن عمها الذي لا تريده.
بل والأعجب من ذلك أن يكون الرجل طاعناً في السن، ويحجر على ابنة عمه التي في سن بناته!!.. وما ذلك إلا عناداً وتمشِّياً مع العادات القبلية، التي أصبحت عنده بمكانة رفيعة من التقديس لا يمكن مخالفتها.. فتقع تلك المسكينة في حيرة، إن رفضته حجّر عليها، وإن وافقت عليه عاشت حياة بؤس وشقاء، تحوّلت حياتها إلى جحيم لا يطاق.
وكم من فتاة وافقت على ابن عمها بعد أن حجّر عليها طويلاً فلم تجد مخلصاً إلا أن توافق على الزواج منه فعاشت حياة كئيبة... فهي تبغضه لأنها تراه قد تسبب في دمار حياتها وضياع عمرها، وأنه لم يحجر عليها ولم يتزوجها إلا عناداً واستكباراً أن تخرج من إطار العائلة، وهو يرى أنها تبغضه ولم توافق عليه إلاّ مرغمة، فتتحول الحياة إلى شقاء دائم وعناء مستمر.
ولا شك أن هذه العادة من العادات الجاهلية، وهي من أعظم الظلم. والظلم مرتعه وخيم، وعاقبته سيئة، والله جل وعلا يجازي صاحبه في الدنيا قبل الآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليملي الظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته" [10] .
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفعل كثيراً، فقال وهو يوصي معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ:"واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" [11] .
فكيف بذلك الظالم إذا رفعت تلك المظلومة يديها إلى السماء تستغيث بربها، وتستنصره على من ظلمها؟؟
وكيف به إذا اشتكت إلى خالقها ما عانته من ظلم هذا المتسلط، الذي وقف حجر عثرة في طريقها؟؟..
ألا يظن بأن الله عز وجل ناصرها؟؟..
بلى والله.. فقد أقسم ربنا سبحانه تعالى على نصرة المظلوم، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام فيقول الله: وعزتي وجلالي لانصرنك ولو بعد حين" [12] .
فليحذر المسلم من الظلم، وليحذر من دعوة مظلومٍ تصعد إلى السماء وهو غافل عنها غير منتبه إلى أن تحلَّ عاقبتها به.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
وليتذكر وقوفه بين يدي الله سبحانه تعالى يوم القيامة، يبلغ الخوف بالعباد منتهاه: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين * ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [13] .
وحينئذ يقتصُّ الله سبحانه للمظلوم من الظالم.
فويلٌ لمن حملوا أوزار الناس على ظهورهم..
{أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} .
عمل المرأة..
الحقيقة أن هذه النقطة غاية في الحساسية، وتريد من يقف أمامها بتجّرد، فيعرف أبعاد هذه القضية، والتي كثير من النساء في غفلة عن آثارها السلبية، ولا يصحين من هذه الغفلة إلا على الصدمة المفزعة، وتشتت الأحلام.
وحتى لا يحمل الكلام على غير معناه، ويفهم منه ما لا يراد، من الواجب أن ننبِّه على أننا نتكلم عن وظيفة المرأة من جانب تأثيرها السلبي في تأخير الزواج فقط، وبيان بعض الأسباب المتعلقة بهذه القضية، والتي تؤدي إلى جلوسها إلى سن متأخرة في أغلب الأحيان.
ألا وإن الناظر في أحوال النساء العاملات بتمعّن ليرى العجب العجاب، ولغلبت عليه الهموم والأحزان لما يرى من المآسي المذهلة التي تحرق قلب كل غيور، وتثقله بالهموم.
وإن من أعظم المآسي أن تجد امرأة بدأ يتقدم بها العمر، ودخلت في السن الحرجة ولم تزل غير متزوجة، وقد استولى عليها الخوف والقلق من أن يعبر قطار الزواج من حيلتها دون توقف ودون رجعة.. وهنا ستنظر إلى من حولها من النساء.. فتجد أن فلانة خُطبت.. وفلانة قد تزوجت.. وفلانة قد أنجبت.. وهي لم تزل على حالها، تصارع الهموم التي تثقل كاهلها، وتحطم قلبها المثخن بالجراح، وصدرها المليء بالأحزان، وكأن لسان حالها يقول:
رب يوم بكيت فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه
وحتى نعرف مدى تأثير العمل على المرأة، كان من الأهمية بمكان أن ننظر للمراحل التي تمرّ بها المرأة، والتي تتسبب في جلوسها إلى سن متأخرة بغير زواج..
فأحياناً يكون المؤثّر الفعلي لجلوسها:
المرحلة التي تسبق العمل وهي الدراسة، وأحياناً يكون المؤثر هو نوع المجال الذي تعمل به، وأحياناً يكون المؤثر الفعلي هو اهتمامها بالجانب العملي دون النظر إلى الجانب الاجتماعي الذي تعيش فيه.
وحتى يكون الموضوع أكثر تفصيلاً وتوضيحاً سنأخذ كل نقطة من هذه النقاط على حِدَة، لعلنا نستطيع أن نوصل الفكرة التي نسعى لبيانها بسهولة ويسر.
فأما أولى هذه المراحل..
هي المرحلة التي تسبق الوظيفة، ألا وهي الدراسة، ونقصد بالذات الدراسة الجامعية وما يوازيه، لأن في هذه المرحلة تكون الفتاة قد بلغت سن النضوج ودخلت في سن الزواج، فإذا تأخّرت قليلاً دارت حولها المخاوف.
وهذه المرحلة لها دور كبير في هذه القضية، إذ هي الخطوة الأولى والأكثر تمهيداً لعمل المرأة.
وتختلف النساء من امرأة إلى أخرى بالنسبة للنظر لمكانة الدراسة وأهميتها.
فأحياناً تكون الدراسة من أكبر المعوقات عن الزواج، وذلك أن هذه المرأة وهي في خِضَمّ الأحداث، وزحمة التفكير، لا تفكر إلا بالشهادة العالية التي تصل بها إلى أعلى المراتب، وتؤهلها لأن تكون عنصراً هاماً في المجتمع على حدِّ تفكيره، لذلك فإنها لا توافق على أيِّ رجل يتقدم لطلب الزواج منه، وذلك لأنها ترى أن الزواج يشغلها عن مواصلة المسيرة ويقف عائقاً دون الغاية التي تريد الوصول إليها.
ولا تدري لعلّ الدراسة تطول بها فلا تنتهى منها إلا وقد تقدم بها العمر، وأصبحت فرصة الزواج بالنسبة لها ضئيلة إلى حدٍّ كبير.