فهرس الكتاب

الصفحة 8395 من 9994

ولذلك فلتسعَ المرأة إلى هذه المنزلة العالية، ولتحذر من الطرق المخالفة التي تبعدها عن ذلك المبلغ العظيم والسلوك والقويم.

الإعراض عن التعدد..

ونعني بالتعدد هنا تعدد الزوجات، الذي أصبح من الحاجات الملحّة والمتطلبات المهمة، خصوصاً في وقتنا الحاضر، بل إن الإعراض عن هذا الأمر من الأسباب الرئيسة في جلوس كثير من النساء بغير زواج، لأننا في وقت كثر فيه النساء، وقلَّ فيه الرجال، والتركيبة السكانية في أغلب البلدان تشير إلى ذلك، والواقع الذي نعيش فيه خير شاهد على هذه الحقيقة.

فإذا كان الأمر على هذا الحال فماذا عسانا أن نفعل تجاه هذه المشكلة، وما هو الحل لقضية النساء اللاتي جلسن بغير زواج؟.

إن في هذا الوقت الذي كثر فيه النساء حتى صار عددهن أضعاف عدد الرجال، أصبح الحل اللازم والدواء الناجع لهذه القضية هو: (تعدد الزوجات) ، كيف لا..؟ وربنا عز وجل يقول ـ وهو أعلم بمصلحة الخلق ـ: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [16] .

وهذا الحل ليس ببعيد، ولا صعب المنال، بل هو متناول الأيدي، ولكن لوقوف بعض التيّارت منه موقف المهاجم تصوّره البعض مشكلة وليس حلاً.

ومع تعدد هذه التيارات، وعمل كل منهما على جانب، فإن محصول هذه الأعمال المكثفة يؤدي إلى نفس النتيجة، والوقوف منها موقف الخائف.

ومن هذه التيارات التي رهبت من مسألة التعدد، وصوّرتها شبحاً مخيفاً في أعين الناس: (الإعلام) ، وذلك لدوره البارز في التأثير وسرعة الانتشار، من خلال الأفلام والمسلسلات الهابطة التي تصور الخلاف القائم بين الجارات!! وما يؤدي إليه هذا الخلاف من تشتت الأسرة، وجنون الزوج، وعدم قيامه بالعدل بين زوجاته، وغير ذلك من المقولات المزيفة.

وأحياناً يكون عن طريق الصحافة وبعض الأقلام المسمومة التي تحارب هذه السنًّة محاربة شديدة، عن طريق السخرية والاستخفاف، بل والاعتراض على هذا الأمر المشروع..

ويتبع هؤلاء الناعقين الكثير من المخدوعين، فيقفون من هذه القضية موقف الرفض القطعي.

كل ذلك بسبب ما يُنقل وما يُكتب عبر وسائل الإعلام المؤثّرة.

ومن ردود الفعل لذلك التأثير القوي، أن كثيراً من النساء بالرّغم من تقدمها في العمر إلا أنها ترفض أن تتزوج من رجل متزوج، وهذا مما يزيد الأمر تعقيداً، لأنها إذا وصلت إلى هذا السن فإن فرصتها في الزواج تكون ضئيلة إلى حًدٍ ما.

فلو رضيت برجل متزوج لكان خيراً لها وأفضل من الجلوس بغير زواج، خصوصاً إذا كان الرجل ممن ترضى دينه وخلقه، وعنده القدرة على القيام بحقوقها.

ولكن مع الأسف..

فبسبب هذا التشويه الشنيع لمسألة التعدد، فإن بعض النساء تخاف الإقدام على هذه الخطوة، فتفضل الجلوس بغير زواج على أن تتزوج برجل متزوج، وهذا لقصر النظر، وعدم الإحاطة بالموضوع من جميع أطرافه، وعدم تلمّس الفوائد الناتجة عن التعدد والعائدة عليها وعلى غيرها.

وأحياناً يكون السبب في الإعراض عن هذه القضية هو الرجل نفسه!!..

وذلك أن بعض الرجال بالرغم من استطاعته الجمع بين أكثر من زوجة، ومع وجود القدرة على العدل، إلا أنه لا يفكّر أن يتزوج على زوجته الأولى، لعل ذلك يرجع لتصوّره بأن الزواج من أكثر من واحدة أمر صعب ومتعِب، وهو ليس كذلك، خصوصاً إّذا كان الإنسان مستطيعاً ومحكِما لقضية القوامة، فإن ذلك مما يعود عليه بالنفع والراحة، وذلك لما يجنيه من ثمار الطاعة، والبعد عن المعصية والنظر الحرام، واتباع الشهوات بسبب الاستعفاف بهذا الأمر المشروع.

ثم إذا بقي كل رجل على زوجة واحدة فمن لتلك المرأة التي تقدّم بها العمر وقد جلست بغير زواج، مُثْقلة بالهموم، محمّلة بالآلام بسبب حرمانها من ذلك الأمر الذي طالما حلمت به، وباتت تنتظره بفارق الصبر؟؟.

لذلك فإن أصحّ وأعظم الحلول على الإطلاق لقضية العنوسة هو: (تعدد الزوجات) ، وذلك لتفاوت النسبة بين عدد الرجال وعدد النساء الذي زاد، وسيزداد حتى يتبع الرجل الواحد أربعون امرأة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به، من قِلَّة الرجال وكثرة النساء" [17] .

فلا بد من إدراك القضية ـ تفاوت النسبة ـ، ومعرفة أن التعدد هو الحل الأسلم، وكلٌ يعمل من جانبه ليساهم في حل هذه المشكلة، وعلى الرجل خاصة أن يعمل من جانبه، وأن لا يكتفي بامرأة واحدة إذا كان مكملاً للشروط المطلوبة للتعدد.

المحطة الأخيرة..

وعند هذه المحطة نتوقف لنعيد النظر فيما ذُكر من الأسباب، ونبحث عن أسباب الخلاص لكثير من النساء اللاتي وقعن في المأزق وأعيتهن الحيلة.

ولنوضّح الصورة أمام بعض النساء اللاتي على حافة الوقوع في هذه الأسباب، حتى يتراجعن قليلاًً إلى الوراء، ويُعِدن الحسابات قبل مضي أعمارهن.

ولننير الطريق أمام كل من يهمه مصلحة هؤلاء النساء، حتى يرى الأمر واضحاً جلياً، فيضع الأمور في نصابها الصحيح.

ويجب علينا جميعاً أن نقف وقفة صدق تجاه هذه القضيّة الشائكة حتى نعالجها قبل فوات الأوان،"فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل في السفر.. فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر، فالكيس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالماً غانما، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه، ويمتد أمله، ويحصر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة، فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل، فطوعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك، فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كله، فيحمد سعيه، ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته" [18] ولذلك فإن من الواجب على الإنسان أن يستغل كل مرحلة من مراحل حياته، ويخرج منها بنتيجة مثمرة.

وعلى المرأة المعينة بموضوع البحث أن تتأمل في هذا جيداً، وتتنبه لنفسها، وأن لا تقدم على الزواج شيئاً من الأمور التي تعود عليها بالضرر، كالدراسة المطولة والوظيفة والمثالية الحالمة، مما تملك تغييره أو التنازل عنه.

أما ما خرج عن إرادتها ونطاق استطاعتها، وفرض عليها بغير اختيار منها فعليها بالدعاء والتضرع إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يغير حالها، ويكشف عنها الغمة، فإنه هو القادر سبحانه على أن يبدل الأحوال، ويكشف الكروب، قال ـ تعالى ـ: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} [19] .

نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله عملاً نافعاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

29/8/1414هـ

الهوامش:

[1] رواه مسلم (2199) .

[2] سورة الزمر، آية رقم (10) .

[3] مسلم (2999) .

[4] "صيد الخاطر"لابن الجوزي، (ص/121) .

[5] سورة يوسف، آية رقم (90) .

[6] سورة الروم، آية رقم (21) .

[7] مسلم (1468) .

[8] البخاري (5995) ، مسلم (2629) .

[9] أخرجه الخطيب في تاريخه، وهو صحيح، انظر:"السلسلة الصحيحة"للألباني (1026) .

[10] البخاري (4686) ، مسلم (2583) .

[11] البخاري (4347) ، مسلم (19) .

[12] رواه الطبراني، وهو صحيح، انظر:"السلسلة الصحيحة"للألباني رقم: (818) .

[13] سورة غافر، الآيتان (18-19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت