تدور أبواب الكتاب ومباحثه على إبراز هذه السمة العظيمة لهذا الدين وأهله؛ ألا وهي سمة العدل والوسطية والمأخوذة من قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: من الآية143) .
ومن أهم المباحث التي جاءت في الكتاب ما يلي:
[ 1 ] أهمية دراسة هذا الموضوع المتمثلة في تحرير معنى الوسطية، وأنها العدل والحق والتوازن بين طرفي الإفراط والتفريط، وأنها ليست كما يفهمها بعض الناس في كونها الالتقاء مع الباطل في منتصف الطريق، أو الرضى بالحلول الوسط. كما أنها لا تعني التشدد والتضييق.
كما برزت أهمية الموضوع أيضًا في ما نعانيه اليوم من مجانبة للعدل والتوازن في كثير من أصول الدين وأحكامه وأخلاقه، والنزوع فيها إما إلى الغلو والإفراط وإما إلى الجفاء والتفريط والإضاعة.
كما تأتي أهمية هذا الموضوع في كون العلم به وبجوانبه المختلفة بابًا إلى إعادة النظر في المواقف المتشددة أو المتساهلة، وبخاصة في جانب المعاملات والسلوك والأخلاق. وهذا الفهم يقود بإذن الله تعالى إلى الاجتماع والائتلاف، كما يقود إلى تفهم رأي المخالف والمعالجة العادلة لأخطائه، وإشاعة الود والتراحم بين المؤمنين وإن اختلفوا.
[ 2 ] تفسير قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...) الآية، وذلك بذكر أقوال بعض المفسرين وبعض الأحاديث المعينة على فهم الآية الكريمة.
[ 3 ] ذكر الأحاديث الواردة في لزوم الوسط والعدل، والمحذرة من الغلو والإفراط أو من التفريط والإضاعة، مع شرح موجز لبعضها.
[ 4 ] تم تقسيم مظاهر الوسطية والعدل والتوازن في هذا الدين إلى قسمين كبيرين:
القسم الأول: مظاهرها في الخلق والتقدير:
وفي هذا القسم تم الحديث عن عظمة هذا الكون ودقة نظامه وتوازنه، والتي تدل على عظمة خالقه عز وجل وحكمته وعدله ورحمته، وذكرت أمثلة متفرقة لهذا التوازن والنظام الدقيق في خلق الله عز وجل؛ سواء ما كان منها في الآفاق كخلق السموات والأرض وما بينهما من الأفلاك، وما على الأرض من الآيات الباهرات، أو ما كان منها في الأنفس وما فيها من عجيب صنع الله تعالى ودقة نظامها، وما فيها من التوازنات التي تبهر العقول وتحير الألباب، وتدل على وحدانية رب الأرباب.
القسم الثاني: مظاهرها في الأمر والشرع:
وفي هذا القسم تم الحديث عن شريعة الله عز وجل المنزلة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما فيها من الوسطية والعدل والتوازن الواقعة بين الإفراط والتفريط. وذكرت تحت هذا القسم أربعة مباحث مهمة:
الأول: مظاهرها في العقيدة وأصول الدين.
الثاني: مظاهرها في شعائر التعبد.
الثالث: مظاهرها في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابع: مظاهرها في المعاملات والأخلاق.
وذكرت في باب العقيدة وأصول الدين مجموعة من الأمثلة التي يذكرها علماء السلف وأنها وسط بين طرفين مذمومين هما أهل الغلو والإفراط، وأهل الجفاء والتفريط؛ وذلك كقولهم إن أهل السنة والاتباع وسط في الأسماء والصفات بين المعطلة النفاة وبين المجسمة المشبهة، وهم وسط في باب القدر وأفعال العباد بين القدرية والجبرية، وهم وسط في الوعد والوعيد بين الخوارج الغلاة المكفرين لأهل الكبائر ومن نحا نحوهم كالمعتزلة وبين الجفاة المفرِّطين كالمرجئة ومن شابههم، وغيرها من أبواب العقيدة.
وذكرت أيضًا في شعائر التعبد مجموعة من الأمثلة على التوسط في كثير من العبادات، والتحذير من الوقوع في طرف الإفراط والغلو الذي لم يشرعه الله عز وجل أو في طرف التفريط والتقصير. وذكرت أمثلة ذلك في الصلاة والصيام ومناسك الحج، وحرمان النفس من بعض الطيبات، وحرمانها من الأخذ بالرخص الشرعية وغيرها.
كما ذكرت في باب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسطية هذا الدين فيها، وما يكتنف الوسط العدل من طرفين مذمومين هما الإفراط والتفريط.
وأما قسم المعاملات والأخلاق فقد أطلت النفس فيه، وذكرت أمثلة كثيرة من الأخلاق، وكيف يكون التوسط والعدل فيها؟ وما هما الطرفان المذمومان اللذان يكتنفان كل خلق محمود؟ وسبب الإطالة في هذا القسم ما نعانيه في واقعنا المعاصر من أزمة في الأخلاق؛ وبخاصة ممن ينتسب منا إلى أهل السنة والجماعة، مما كان له أكبر الأثر في التفرق والخصومات.
وقد ركزت من بين الأمثلة التي ذكرتها على التوسط والعدل والتوزان في النقد ومعالجة الأخطاء، وذكرت الوسط المحمود وما يكتنفه من الطرفين المذمومين، وتوجت ذلك بذكر طائفة من النماذج المضيئة للمواقف العادلة المتوازنة لسلفنا الصالح في نقدهم لبعضهم البعض، ومعالجة أخطاء بعضهم بعضًا علها تكون نبراسًا لنا وأسوة حسنة نقتدي بها في زمن كثرت فيه الأهواء، وتكالبت فيه الأعداء من خارج الأمة وداخلها.