إنَّ في مجانبة من يعرف عنهم التسرع في الأمور والميل إما إلى الإفراط أو إلى التفريط، - سواء من بعض طلبة العلم المتعجلين أو بعض المنتسبين للدعوة الذين زادهم من العلم قليل وحظهم من التجربة والحكمة ضئيل - في مجانبتهم حماية من الوقوع في مجاوزة العدل. وهذا أيضًا يسري على الكتب والمؤلفات التي يغلب على أصحابها قلة العدل والتوازن، وعدم التأني في المواقف والأحداث؛ حيث ينبغي الإعراض عن مثل هذه الكتب والحذر منها. وأول ما يدخل في هذا كتب أهل البدع والشبهات والأهواء والشهوات الذين هم بين غالٍ مفْرِط أو مضيع مفرِّط.
4-العمل الصالح بأداء الفرائض وكثرة النوافل:
فقد جاء في الحديث الصحيح: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ... الحديث» (3) .
فمن هذا الحديث يتبين فضل الأعمال الصالحة وآثارها في حفظ الله عز وجل لعبده المؤمن الذي هذا شأنه؛ وذلك بحفظ جوارحه فلا يتحرك إلا في مرضات الله تعالى، ولا يبصر إلا بالله، ولا يسمع إلا بالله؛ ومن هذا شأنه فهو الموفق للحق والعدل والسداد.
ومن أفضل الأعمال الصالحة: الصلاة، والصيام، والذكر، والدعوة إلى الله عز وجل، والجهاد في سبيل الله تعالى؛ قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: من الآية69) .
5-الرفق والأناة وعدم التعجل:
إن العجلة والتسرع وترك التؤدة لهي من أخطر الأبواب التي تدخل منها الشبهات والشهوات، وتجعل العبد يميل إما إلى الإفراط أو التفريط - سواء في المعتقد أو القول أو العمل - والعكس من ذلك في الأناة والرفق؛ فإنهما غالبًا ما يكونان بابًا إلى التعقل والحكمة والسداد في القول والعمل.
6-التواصي بالحق والتناصح بين المسلمين:
وهذا من أعظم ما يسد به باب التطرف والغلو والإفراط والتفريط؛ فكلما كثر التناصح بين المسلمين، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل كان في ذلك الاهتداء إلى الحق ومدافعة الباطل بشبهاته وشهواته. وعلى العكس من ذلك؛ فعندما يضعف التناصح والتواصي بالحق، ويقل الأمر والنهي فإن الأفكار المنحرفة تنتشر بين الناس من غير إنكار، فتتشربها القلوب وتستحسنها العقول، وأصحابها يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
7-الصبر وتقوى الله عز وجل:
قال الله عز وجل: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: من الآية90) .
وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .
وقال عز وجل: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (آل عمران: من الآية186) .
ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى: «فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه» (4) .
ويقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى: «فالتقوى تتناول فعل المأمور وترك المحظور، والصبر يتضمن الصبر على المقدور» (5) .
إذن فلزوم الاستقامة والعدل والتوازن في الأمور لا بد له من تقوى الله عز وجل، والخوف من عقابه، ورجاء ثوابه، والصبر على ذلك؛ لأن العلم بالشرع لا يكفي وحده في لزوم الوسطية والعدل وإصابة الحق إن لم يكن معه التقوى والصبر؛ فكم ممن يتجاوز العدل والحق إما لضعف دينه وتقواه، وإما لضعف صبره وتحمله.
8-دعاء الله عز وجل وسؤاله الهداية إلى الحق ولزومه:
يعد الدعاء من أعظم الوسائل والأسباب في لزوم الحق والعدل؛ لأن الله عز وجل هو الهادي والموفق إلى الحق والعدل، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى. قال الله عز وجل: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم:27) .
فمن سأل الله عز وجل الهداية للحق بصدق وإخلاص وأخذ بالأسباب المعينة على ذلك أعطاه الله سؤاله ولم يخيب رجاءه. ومن أنفع الأدعية وأجمعها ذلك الدعاء الذي كان يدعو به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يستفتح صلاته في الليل (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (6) .
وقوله عليه الصلاة والسلام: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (7) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك الهدى والسداد) (8) .
وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم» (9) .
ثانيًا: الوقوف مع أهم ما جاء في الكتاب من مواضيع: