أيها الإخوة إن الهداية أعظم مطلوب يطلبه الناس في هذه الدنيا ، ولما كانت الهداية إلى الصراط المستقيم أعظم مطلوب ، كان سؤالها في أعظم سورة ، سورة لم يقرأ مثلها في التوراة والإنجيل ظن في سورة تتكرر في صلاتك مرات في اليوم إما قراءة أو تأميناً في قوله تعالى: ? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صدق الله العظيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (1) . هذه الهداية التي نسألها الله عز وجل في كل ركعة من صلاتنا ، لفظاً أو تأميناً سبيل تحصيلها اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قال الله جل وعلا: { وَاتَّبِعُوهُ } أي واتبعوا هذا النبي الأمي ?لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ? أي رجاء أن تحصل لكم الهداية ، ومما حث الله سبحانه به هذه الأمة على اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن جعل اتباعه والاستجابة لندائه - صلى الله عليه وسلم - سبباً للحياة الكاملة والحياة الطيبة فقال الله جل وعلا مخاطباً المؤمنين ومنادياً أهل الإيمان: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } (2) أمر الله جل وعلا في هذه الآية بالمسارعة إلى الاستجابة إلى الله ورسوله ، ثم بين ما الذي يدعونا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره ونهيه وفي قوله وتركه وفي فعله في كل ما دعانا إليه قولاً وفعلاً ، ما الذي يريده - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ؟ انه يريد لنا الحياة الكاملة ، يريد لنا الحياة الكاملة في هذه الدنيا والحياة الكاملة في الآخرة ، أما الحياة الكاملة في الدنيا فإن أسعد الناس وأكملهم حياة هم أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالحياة الكاملة إنما تحصل بالاستجابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أما الآخرة فأتباعه لهم الجنة ، التي قال جل وعلا في وصفها: { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ } (3) انظر كيف قال: ?الْحَيَوَانُ? ، أتى بصيغة فَعَلان التي هي تدل على امتلاء الحياة أي الحياة الكاملة التامة التي يتمتع بها الإنسان وينال فيها كمال مبتغياته هي الدار الآخرة وذلك في الجنة نسأل الله أن نكون من أهلها فإذا كان هذا شأن الإنسان في هذه الدنيا إذا اتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا شأنه إذا اتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الآخرة أي أن الله يجزيه الحيوان وهي الجنة التي أعد الله فيها لعباده المتقين الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كان هذا حافزاً لأولي الألباب وأصحاب البصائر والعقول الذين تنفذ بصائرهم وأبصارهم من هذه الدنيا إلى الآخرة ، كان حافزاً إلى مزيد من عمل صالح واقتفاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر والباطن ، واعلم أن كل هدي ، وكل سنة صغيرة أو كبيرة ظاهرة أو باطنة ، دقيقة أو جليلة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - هي من أسباب الحياة فبقدر أخذك من سننه وهديه وعمله - صلى الله عليه وسلم - بقدر ما تأخذ من أسباب الحياة الدنيا ومن أسباب الحياة في الآخرة ، إن مما حث الله سبحانه وتعالى به أهل الإسلام وحث به من قرأ القرآن أن رتب على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - الفلاح فقال: ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? (4) أي الذين أدركوا الفلاح الكامل ، والفلاح هو من أتم ومن أبلغ كلمات العرب في حصول المقصود ( المرغوب ) والأمن من المرهوب، لأن من أفلح فقد أدرك رغبته وحصل طلبته وأمن مما يخاف ويحذر ، ولذلك إذا اخبر الله بالفلاح للعبد فإنه قد بلغ الغاية في النعيم وقد بلغ الغاية في تحصيل مطلوباته والأمن مما يكره ، أولئك هم المفلحون لماذا لأنهم آمنوا بالله عز وجل آمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - وعزروه ونصروه وأتبعوا النور الذي أنزل معه والنور الذي أنزل معه هو كتاب الله عز وجل وهو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - السنة التي جاء بها - صلى الله عليه وسلم -. إن مما حث به ربنا سبحانه وتعالى الناس من إتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن جعل إتباعه - صلى الله عليه وسلم - سبباً لمحبته جل وعلا فقال سبحانه وتعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (5) فبقدر ما معك من إتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدر ما يكون معك من محبة الله والإنسان يسعى لأن يكون محبوباً لله عز وجل إذا كنت ممن يسعى لذلك فاحرص على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) الفاتحة:6-7.
(2) الأنفال: 24.
(3) العنكبوت: 64.
(4) الأعراف: 157.
(5) آل عمران: 31.