لا بد أن يكون الداعية سمحاً كريماً حليماً عطوفاً على الناس ، فهم يحتاجون إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ود يسعهم ولا يضيق بحلمهم ، ولا نقصهم ولا جهلهم ، الناس يحتاجون إلى قلب كبير يعطيهم ولا ينتظر منهم العطاء ، الناس أصناف فيهم الغاضبون ، وفيهم المخطئون ،فيهم الذين ليست عندهم آداب وتهذيب ،فيهم جلافة وفظاظة ..هؤلاء كلهم يحتاجون إليه ، أما إذا كان الداعية سريع الغضب ، شديد العنف ؛ فإنه في غالب الأحوال لا يؤتي الثمرة والرحمة والشفقة أول ذلك { فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } ، والله - عز وجل - خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } يعني مهلك نفسك ، وأنت تتبع آثار القوم تريد لهم الخير ، وتدعوهم إلى الإيمان وهم معرضون ، من الذي يحزن ؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يدعوهم إلى الخير وهو حزين أنهم لم يستجيبوا ! مع أنهم المفروض أن يحزنوا على أنفسهم ، لكن هي نفس المؤمن الداعية المريد الخير للناس ، الذي يحب لهم ما يحب لنفسه ، وهذه مسألة مهمة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمثلته في هذا عظيمة جداً .
ولعل من أشهر الأمثلة لما جاءه ملك الجبال وقال له:"لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين لفعلت"قال: ( لا ولكن أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ورسوله ) ، وفي يوم أحد ودمه يسيل على وجهه ، ويقول: ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ، ونحن نتعرض أحياناً لبعض الأذى من الناس ، فمباشرة ندعو عليهم ، ونغلظ عليهم ، ثم نقول الناس لا يقبلون الدعوة !كيف يقبلونها ونحن نضيق بهم ونتبرم منهم ونغلظ في القول لهم؟! هذا لا يمكن أن يكون .
وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها كثير وكثير من هذه الأمثلة العظيمة ، بل مثله الذي ضربه لنفسه يجلي هذه الحقيقة ، عندما قال - صلى الله عليه وسلم -: ( إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً ،فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش والدواب تتقحم فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تواقعون فيها ) . كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشدّهم ويجرّهم ويزيحهم عنها ، وكذلك الحلم والأناة، وهما الخلتان اللتان وصفهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما من الخصال التي يحبها الله ورسوله ، عندما قال لأشج عبد قيس: ( إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة ) ، والحلم سعة الصدر ، وبعد الغضب ، وقلة الانفعال الجامح ، والأناة والتروي والتأني وعدم العجلة ، وانتظار النتائج وإعطاء الوقت حقه وحظه ؛ فإن من الناس من يكون سريعاً حتى في حديثه .. في طلبه للنتائج يريد أن يتحدث اليوم بالموضوع ، ويريد أن يصطلح حال الناس في اليوم الذي يليه .
سبحان الله كيف تستقيم النفوس وتصلح القلوب ؟! لو كان الأمر كذلك لكان أولى الناس بأن تذعن له الناس وتستجيب له ، هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنه ذكّر ، وبشّر ، وأنذر ، ودعا بقوله وبحاله وبلسانه وبفعله ، ومع ذلك كم من الناس كانوا معرضين وكانوا معاندين ؟ ليست المسألة سهلة ، ولذلك لما قال أصحاب بيعة العقبة الثانية في مكة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لو شئت أن نميل على أهل هذا الوادي لفعلنا"قال لهم: ( لا إنا لم نؤمر بذلك اصبروا ) ولما جاء -كما نعلم - واشتكى خبات بن الأرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلقونه من الأذى ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إنه كان فيمن قبلكم من يمشطون بأمشاط من حديد فيما بين لحمه وعظمه فلا يصده ذلك عن دينه، ومنهم ينشر حتى ينفلق إلى شقين لا يصده ذلك عن دينه ... ولكنكم قوم تستعجلون ) الأناة وسعة الصدر ، وعدم تسرع النتائج ، من أهم الأمور .
ونعرف من حلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأناته من قصة ذلك الأعرابي الذي جاء يبول ، فابتدره الصحابة ، فقال: لا تزرموه ، ثم أمر بأن يهريقوا على بوله بسجل من ماء ، ثم جاء النبي -صلى الله عليه وسلم - بحلمه وعلمه وبكماله ، فنبهه وعلّمه وكان لذلك أثره العظيم .