فهرس الكتاب

الصفحة 6908 من 9994

ومن المهم خلة العفو والصفح ، إذا أخطأ الناس وهم يخطئون ، وإذا أساءوا وهم يسيئون ، هل نحاسب على كل أمر ؟ وهل نقف بالمرصاد لكل خطأ وكل كلمة كما يصنع بعض الناس ؟ إذن لا تستقيم الحياة كلها، فضلاً عن أن يكون استجابة للدعوة .. هذا خطاب الله لرسوله - عليه الصلاة والسلام -: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وقوله: { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } بل إن أبا بكر -كما نعلم - لما كانت حادثة الإفك ، وتكلم ابن خالته مسطح بن أثاثه فيمن تكلموا على عائشة - رضي الله عنها - ، فأوقف نفقته ، وكان أبو بكر ينفق عليه وغضب منه ، فنزلت الآيات: { ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ...} وحتى جاء في نداء القرآن لأبي بكر وللأمة كلها: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فقال أبو بكر:"بلى أحب أن يغفر الله لي"، فعفا عنه - رضي الله عنه وأرضاه - ، وكيف كان عفوه - صلى الله عليه وسلم - عندما فتح مكة ؟ وكيف كان عفوه وصفحه عن كثير ممن أخطأوا في مقامه وقدره الشريف عليه الصلاة والسلام ؟ ، وكيف كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يعفون ويصفحون إذا كان الأمر يتعلق بأشخاصهم ؟ أما إذا كان الأمر متعلق بالدين وبالحدود فإنهم كانوا يغضبون لدين الله - سبحانه وتعالى - .

إذاً هذه جملة من الصفات والمقومات في تكوين الداعية ؛ تميزٌ في إيمانه .. غزارة في علمه .. رجاحة في عقله ، وسماحة في نفسه وخلقه .

مقومات في ممارسة الدعوة

عندما يدعو الداعية يراعي أمور ، ويحتاج إلى أمور ، أهمها: المراعاة والتدرج ونحن نذكر الأمور على سبيل الاختصار:

المقوم الأول: المراعاة

مناحي المراعات

أ ـ الطبائع

هل الناس كلهم مثل بعضهم ؟فإذا أراد من الناس أن يستجيبوا ، أو أن يتفاعلوا بتفاعل واحد فهو مخطئ ؛ لأن من الناس من هو -كما قلنا - سريع الغضب ، ومنهم الحليم ، ومنهم سريع التأثر ، ومنهم سريع الفهم ، ومنهم عكس ذلك ، فينبغي أن يراعي طبائع الناس .

ب ـ الأفهام

قال ابن مسعود رضي الله عنه:"ما أنت بمحدث قوم حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، وعند البخاري من كلام علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"عندما تأتي إلى قوم تعلم أنهم بسطاء ، وأنهم ممن لا يقرؤون ولا يكتبون ، ولم تتح لهم فرصة للعلم ، فتأتيهم بمسائل صعبة ، حتى وإن رددت عليهم ،ماذا يصنع الناس ؟ ماذا يقع لهم ؟ تتشوش أذهانهم .. تضطرب عقولهم ، وربما تقسوا قلوبهم ، وربما يتحيرون ويقولون: هذه كلها خلافات وكذا أمور عجيبة . أذكر موقفاً فيه طرافة: في الجامعة جاءنا مرة رجل كبير في السن ، ويحب أن يتعلم ، وقال أنا كلما بحثت في مسألة ، أو سألت قالوا:على المذهب كذا يجوز ، وعلى مذهب كذا وكذا .. أربعة مذاهب ، قال: أنا أريد أن أدرس حتى أعرف طريقاً واحداً ، وهو يظن أن المسألة أنها كما اتفقت كما يقال !

إذن مهمٌ جداً مراعاة الأفهام . قد ذكر الشاطبي أن عدم مراعاة أفهام الناس ، وتحديثهم بما لا يعرفون بدعة من البدع ، وذلك أنه من جهتين: من جهة أن هذا مخالف للسنة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يحدث الناس إلا بما يعرفون كل إنسان يحدثه بما يناسبه ، ومن جهة: أنه يقع بمثل هذه الأحاديث فتن عظيمة .

ج ـ مراعاة النيات

والمقاصد علمها عند الله نعم لكن لا نجترأ على الناس فنحكم عليهم لأنا لا نعلم نواياهم ، ينبغي أولاً أن نستفصل منهم ، وأن نذكّرهم وأن نعلّمهم حتى نعرف حالهم ؛ لأن من الناس من يرتكب المنكر وهو لا يعرف أنه محرم ، فمن الناس من يكون جاهلاً ، ومنهم من يكون متأول ، ومنهم من قد يكون مكرهاً فلا تبادر حتى تعرف مقصده من فعله ، أو ظروفه أو نيته .

د ـ الأوقات

أيضاً قالوا لابن مسعود: وددنا يا أبا عبد الرحمن لو أنك حدثتنا كل يوم ، فقال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة خشية السآمة علينا"، بعض الناس في كل وقت في الصباح في الظهر وكذا وخاصة لعموم الناس ، لو كان عندك طلبة العلم وهم حريصين وعندهم منهج لا بأس ، ولكن أن تبتلي الناس بك وبحديثك ، فلا يفترون عن سماع لموضوع منك حتى تلحقه بغيره ، كلا !هذا لا ينبغي أن يكون ، وإنه ينفر الناس ، وكان ابن مسعود يقول:"حدث الناس ما حدجوك بأبصارهم - أي ما داموا ينظرون إليك وما زالوا منتبهين لك - فإذا انصرفت أبصارهم عنك فأمسك"إذا بدأ الناس هكذا وهكذا ، وينظر في الساعة ، يعني ذلك افهم أنه قد بلغ الأمر حد يحتاج أن لا يطال فيه ، وأن لا يكثر منه ، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً ، فكلما كان هناك مراعاة للأوقات المناسبة للناس المناسبة لنشاطهم ولحيويتهم ، وأيضاً ما يطال عليهم بما قد يملهم ، وهذا أمر مهم .

هـ ـ المصالح والمفاسد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت