أسلوب آخر من الأساليب التي تفحم وتقنع ، وتقيم الحجة ، ولا تجعل للإنسان مجال لكي يرفض ، إلا إذا كان مكابراً ومعانداً .. قصة إبراهيم مع النمرود: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحيي وأميت } هل رد عليه إبراهيم ؟ قال أنت لا تحيي وتميت ! أقر كأنه سلّم له ، يعني لم ينتبه له وبعد ذلك رد عليه . وهذا سنوضحه في الأسلوب الذي يليه ، هنا في التقرير عندما نسأل الناس سؤال ولا يكون له إلا إجابات محددة . فماذا ينتهي بهم الأمر إلى أن يقروا بهذا مثاله: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } ، ما معنى هذا السؤال ؟ أنتم موجودون الآن أم أنتم أحياء ؟ أم السؤال: من أين جئتم ؟ إما أنكم خلقتم أنفسكم ، وإما أن أحد خلقكم { أم خلقوا من غير شيء } خلقوا من العدم أم هم الخالقون ؟ هل خلقوا من العدم ؟ الجواب: لا ، هل يدعّي أحد أنه خلق نفسه ؟ الجواب: لا، إذاً لم يبقى إلا أنهم خُلقوا ، وأن الخالق هو الله - سبحانه وتعالى - ، وكما قلنا في هذا أيضا يأتي الأسلوب .. أسلوب إبراهيم - عليه السلام - في القصة التي سردت في سورة الأنعام ، لما رأى كوكباً أراد أن يقرهم على البطلان: { فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدن ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما افلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } ، كل مرة يقول ذلك ، ليس هذا إقرار منه ، بذلك يريد أن يلفت نظرهم ، فيقروا بأن هذا هو الباطل فيبقى الحق بعد ذلك .
3 ـ أسلوب الإمرار والإبطال
هو الذي أشرت إليه في قصة إبراهيم في سورة البقرة لما قال له: أنا أحيي وأميت ما اعترض عليه و سكت عنه، ثم قال: { فإن الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } ماذا كانت النتيجة ؟ فبهت الذي كفر ، لو مضى إبراهيم وقال: لا ! أنت لا تحيي وتميت ، أصبح جدل ولم يحصل شيء من إقامة الحجة ، ولكن ذلك كان على خلاف ذلك ، النبي -صلى الله عليه وسلم - استخدم الأساليب كلها .
الأسلوب الأول ذكر فيه: ( مثل الجليس الصالح .. ) ، (مثل الذي يذكر ربه .. ) ، الأسلوب الثاني كان فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه الرجل ، شك في ولده أنه ليس منه لماذا ؟ لأن لونه مختلف ، ليس كلونه ولا كلون زوجته ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( أعندك إبل بهم ؟ قال: نعم ، قال: ما ألوانها ؟ قال: حمر يا رسول الله ، قال: هل فيها من أورق - يعني لونه فاتح - قال: نعم ،قال: فمن أين جاء ؟ تلك نوقك ، وتلك جمالك ، قال: يا رسول الله لعله نزعة عرق - يعني لعله من أجداده -، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة: فلعله ) . وهذا من إعجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - .. يقولون في علم الوراثة أنه قد تتنحى بعض الصفات الوراثية ، فلا تظهر في جيل الأول ، ولا الجيل الثاني ، ثم تظهر بعد ذلك في جيل بعده ، ويكون صحيحاً ومن صلب أبيه ، ومن رحم أمه ، ليس فيه شك ، لكن نزعه عرق ، وجاءت صفة من صفاته لم تكن ظهرت ، كانوا يسمونها في علم الأحياء الصفات المتنحية ، وكذلك لما جاء الشاب الذي قال له: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، ماذا قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حرام وزجره ! بل قال له: أترضاه لأمك !،قال: لا ، قال: والناس لا يرضونه لأمهاتهم ، أترضاه .. أترضاه .. حتى قرره بأن هذا لا يقبل ، ولا ينفع ، ولا يمكن أن تفعله ؛ لأنك لا ترضاه لنفسك ، ثم دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي أسلوبه الإقرار أيضاً قصصٌ كثيرةٌ ، ووقائع عديدة ، تبين رجاحة العقل وأهميته في الدعوة .
ثالثاً: رحابة الصدر وسماحة النفس