فهرس الكتاب

الصفحة 6902 من 9994

كما يقولون:"الحب أعمى"وكما يقال:"إن المحب لمن يحب مطيع"، ألا نرى الناس إذا أحبوا إنساناً وافقوه حتى فيما لا ينبغي موافقتهم له ؛ لأن الحب ميل قلبي له أثره . يقول ابن القيم:"الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر ، والفعل الظاهر ، و فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال إنما هو موجب ما في القلب ولازمه".ويقول ابن تيمية - رحمه الله -:"المحبة والإرادة أصل كل دين ، صالحاً كان أو فاسداً - لماذا ؟ - لأن المحبة هي التي تبعث وتحرك الإرادة ، وهي التي تمضي وتوقع الفعل في الواقع".

لذلك من المهم أن يتحبب الداعية إلى الناس ؛ لأنهم إذا أبغضوه هل ترونه يسمعون قوله حتى وإن كان عنده من العلم بحار لا بحراً واحداً ، وحتى لو كان عنده حجة بينة قاطعة ، وأدلة واضحة ساطعة ، ما دامت القلوب قد أغلقت فلم تتعلق بمحبته ولا الميل إليه ، فذلك يمنع من قبول دعوته بشكل كبير ، لكن ليس الحب وحده هو الذي يؤثر ، ولذلك أحياناً يكون الحب مؤثر تأثير سلبي . قد يحب المرء من فيه فسق أو فساد فيوافقه على فسقه وفساده ، ألسنا نعرف أمر الأصحاب وما يقال من أن الصاحب ساحب ، لِما يتأثر الناس بأصدقائهم وجلسائهم .. يميلون إليهم .. يحبونهم .. يؤنسون فيوافقونهم في أقوالهم وأفعالهم .

2 ـ الإقناع العقلي والحجة العلمية

المدرس إذا كان محبوباً عند الطلاب ، ولكنه إذا جاء يشرح الدرس وهو لا يحسن ذلك ، وليس متخصص في فنه أو علمه أو لم يحضّر درسه ومع ذلك تسلم له العقول ، فالداعية إذا لم يكن عنده حجة وإقناع تسلم له العقول ، وترى قوة الدليل ونصاعة البرهان ، فكذلك قد تنصرف عن هذا من غير أن تستجيب له ؛ لأنه أحياناً قد لا تكون المحبة موجودة بالقدر الكافي ، قد لا تحب هذا الإنسان لكن لا تكرهه ، ما الذي يعينك على موافقته عندما يأتيك بحجة ودليل مقنع ؟ ما دمت لا تبغضه ليس هناك نفرة ،لم يسئ إليك ، فإذاً مجرد هذه الحجة سوف تعين على القبول ، ونحن نعرف أن الإنسان فيه هوى وعقل ، إذا تحكم الهوى قاده إلى الهلاك . إذا كان العقل هو الذي يتحكم في الهوى كانت العاقبة إلى الخير في غالب الأحوال ؛ وذلك لأن سلطان الهوى خفي ، ومكره ومدخل مكره خفي ، فهو كما قال ابن القيم:"إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة إليه"؛ لأن الهوى إذا تحكّم في العقل يقول:"هذا حرام ، والحرام سوف يوجب العقاب في الآخر والمضرة في الدنيا"لكن الهوى والمحبة للشهوات تغلب الحجة ، فإذا جاءت الحجة ووقعت المحبة كان التأثير أكبر .

3 ـ القدوة المتحركة

القدوة الحية ؛ قد يتحبب الداعية إلى الناس ثم يحسن القول ويبسط الدليل لكنه إن لم يوافق فعله قوله لم يكن لذلك أثر ، ربما - أحياناً - قد لا توجد المحبة الكافية ، ولكن قد لا يوجد الكلام الذي يبين ويشرح ، لكن هناك قدوة ، وهناك أسوة .. هناك أخلاق متحركة .. هناك معاملة حسنة ظاهرة ، مجرد وجود الفعل الحسن والقدوة الطيبة له أثره في حياة الناس ، ولذلك كثيراً ما يتأثر الناس - خاصة عوام الناس وأكثريتهم - ، أحياناً الأدلة والبراهين والإقناع فيها تفصيلات ، وفيها علوم قد لا تستوعبها عقول الناس كلهم ، لكن أكثر الناس يتأثرون بالسلوك والعمل ؛ لأنه يراه بعينيه ، عندما نقول للناس: الصلاة خير .. عندما نقول للناس اجتنبوا المحرمات فسوف يعطيكم الله ويغنيكم ، كثيراً لا يقع ذلك موقعه حتى يروا من أهل الدعوة والعلم والإيمان من يفعل ذلك فيصبح كأنه النموذج المتحرك أمامه فيقتدون به وينتفعون إذا هذه عناصر التأثير .

مقومات نجاح الداعية

في تكوينه الشخصي وفي ممارساته الدعوية وفي مفاهيمه من بعد ذلك .

أولاً: التميّز الإيماني والتفوق الروحاني

إذا لم يكن العالم والداعية ذا إيمان عظيم بالله شديد الخشية له، صادق التوكل عليه ، عظيم الإنابة إليه ، لسانه رطب بذكر الله - عز وجل - ، عقله مفكر في ملكوت الله - سبحانه وتعالى - .. مسارع إلى الطاعات .. مسابق إلى الخيرات دائم الإحسان حريص عل البر، إذا لم يكن كذلك فإنه يفقد أهم وأعظم أسباب التوفيق ، فالله - عز وجل - إنما يوفق من كان قريباً منه ، ومن كان مؤمنا به ، ومن كان عظيم الصلة به كما نرى ، وهذه أيضاً مسألة مهمة .

معالم التميز

1 ـ الإيمان والاعتقاد الصحيح والتعلق الصادق بالله عز وجل

وهو أعظم أسباب نجاح الدعوة ؛ لأن الدعوة والاستجابة ليست بالحجج ولا بالبراهين ولا بالفصاحة ، وإنما هبة من الله - سبحانه وتعالى -: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } هذه الهداية يقذفها الله في قلب من يشاء إذا علم من هذا الداعية إيماناً صادقاً ، وإخلاصاً كاملاً ، والله خاطب نبيه عيسى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } . إذاً هو الذي أوحى إليهم وقذف في قلوبهم الاستجابة للدعوة وقبولها ، فهي هبة من الله - جل وعلا - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت