اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لما أسمع رسولُ الله عدي بن حاتم الآية، وكان على النصرانية قال له: (( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه ) ) [الترمذي ح 3306 وحسنه الألباني] .
وقد أخذ اليهود من دينهم ما وافق هواهم وتركوا غيره فقال الله لهم: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون.
ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.
وقال (( إنما هلك من كان قبلكم أنهم يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف ) ) [ رواه البخاري ح6787]
ومشت هذه الأمة على سيرة أهل الكتاب فنكصت عن تطبيق الشريعة أو بعض الكتاب، وزعم بعض علماء السوء أن الشريعة مطبقة في بلاد المسلمين، وأفتوا بتحليل الحرام كالفوائد البنكية، وتحريم الحلال كمنع الجهاد وإنكار المنكر ومحاربة الحجاب والنقاب، ووقعت الأمة فيما حذره النبي: (( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) ) [رواه أحمد ح21361، ابن ماجه ح3952، والدارمي ح209] .
قال سفيان بن عيينة: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففبه شبه من النصارى.
رابعاً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال: (( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون [المائدة:78-79] .
ثم قال: (( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو لتقصرنه على الحق قصراً ) ).
وجاء في رواية أخرى أيضاً لأبي داود: (( أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضاً ثم ليلعننكم كما لعنهم ) ) [رواه أبو داود ح4336، والترمذي ح3047، وابن ماجه ح4006] .
وستقع هذه الأمة فيما وقع به بنو إسرائيل فهي ما تزال تتبع سنن بني إسرائيل حيث قال: (( ستكون بعدي فتن، لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه، قلت: يا رسول الله، وكيف ذاك قال: ينكرونه بقلوبهم ) ) [رواه الإسماعيلي] .
خامساً:الافتراق في الدين
ذكر الله لنا تفرق أهل الكتاب في دينهم محذراً من صنيعهم، قال تعالى ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً [الروم 32] ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [آل عمران 105] ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه [فصلت 54] ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام 153] واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [آل عمران 103] شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى 13]
وحذرنا رسول الله من أسباب الافتراق التي وقع بها بنو إسرائيل حتى لا نصير إلى ما صاروا إليه،ومن ذلك معارضة النصوص بعضها ببعض، قال عبد الله بن عمرو: (( هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال: (( إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافتهم في الكتاب ) ) [مسلم ح 2666] .
قال ابن سعود سمعت رجلاً قرأ آية سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كلاكما فحسن.قال شعبة: أظنه قال: (( لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا ) ) [البخاري:2410] .
وفي مسند أحمد خرج علينا رسول الله ذات يوم والناس يتكلمون في القدر قال: فكأنما تفقأ في وجه حب الرمان من الغضب ، فقال لهم: (( مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض ، بهذا هلك من كان قبلكم ) ) [أحمد ح 6381] . وفي مسلم:فسمع صوت رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله يعرف في وجهه الغضب فقال (( إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب ) ) [مسلم 2666] .