فهرس الكتاب

الصفحة 6749 من 9994

وهذا مصعب بن عبد الله يروي عن مالك يقول: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينتحني حتى يصعب ذلك على جلسائه - أي يشفقون عليه - فقيل له يوماً في ذلك! فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون .

وذكر الإمام مالك عن محمد بن المنكدر - من أئمة التابعين وكان سيد القراء - قال: لا نكاد نسأله عن حديثٍ أبداً إلا يبكي حتى نرحمه رحمه الله .

والحسن البصري جاءنا بمثلٍ جميل - وهذا باب ضاق المقام عن أن أذكره لكم - حب الجمادات لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أحد جبل نحبنا ونحبه ) .. الجذع الذي كان يخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ، فلما بني المنبر طلع يخطب على المنبر ، فإذا الجدع يحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع له الناس حنيناً ، فنزل النبي من على المنبر فوضع يده على الجدع فسكنه فسكن .

كان الحسن البصري - رحمه الله - إذا ذكر حنين الجذع وبكائه يقول:"يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إلى لقائه ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه !".

ويقول بعض السلف: كنت آتي صفوان بن سليم - وكان من المتعبدين المجتهدين - فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى ، فلا يزال يبكي حتى يقوم عنه الناس ويتركوه .

وهذا كما قلت باب واسع عظيم فيه مآثر ، أختمها بهذه القصة وأذكرها بطولها ، ذكرها الذهبي رحمه الله في"سير أعلام النبلاء"وهي جميلةٌ رائعة ، والذهبي إمام من أهل السنة ، وجهبذ من جهابذة النقد من أئمة الجرح والتعديل ، لا يقول كلاماً عاطفياً دون أن يكون له الأساس والعلم ، يقول في ترجمة عبيدة بن عمر السلماني - من التابعين من أصحاب علي ابن أبي طالب رضي الله عنه - يقول: قال محمد: قلت لعبيدة: إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من قِبل أنس بن مالك ، فقال: لئن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض .

أي أحب إلي من كل ذهبٍ وفضةٍ في الأرض ، قال الذهبي:"قلت: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب ، وهو أن يؤثر شعرةً نبوية على كل ذهبٍ وفضةٍ بأيدي الناس ."

ومثل هذا يقوله هذا الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين سنة ، فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعرٍه بإسنادٍ ثابت ، أو شسع نعلٍ كان له ، أو قلامة ظفرٍ ،أو شقفة من إناء شرب فيه ، فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء في ذلك عنده أكنت تعده مبذراًً أو سفيهاًً ؟

كلا ! فابذل مالَكَ في زورة مسجده الذي بنى فيه بيده ، والسلام عليه عند حجرته في بلده ، والتذّ بالنظر إلى أُحُده وأحبّه ، فقد كان نبيك صلى الله عليه وسلم يحبه ، وتملأ بالحلولِ في روضته ومقعده ، فلن تكون مؤمناً حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم ، وقبّل حجراً مكرماً نزل من الجنة ، وضَع فَمَك لاثماً مكاناً قبّله سيد البشر بيقين ، فهنأك الله بما أعطاك ، فما فوق ذلك مفخر .

ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به الرسول صلى الله عله وسلم إلى الحَجَر ثم قبّل محجنه ،لحُقّ لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل ، ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله .

وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها ، ويقول: يدٌ مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فنقول نحن إذ فاتنا ذلك: حجرٌ معظّم بمنزلة يمين الله في الأرض ، مسّته شفتا نبينا صلى الله عليه وسلم لاثماً له ، فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه وقل: فمٌ مسّ بتقبيل حجراً قبّله خليلي صلى الله عليه وسلم"."

وهذا من نفائس القول لأئمتنا وعلمائنا رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم أجمعين ، والباب في هذا يطول كما ذكرت .

ثمار المحبة

يكفينا فيها ثمرتان:

أن هذه المحبة في الدنيا عون على الطاعة ، والإكثار من العبادة ، وخفة ذلك على النفس وإقبال الروح على مزيدٍ من الطاعات .

وأما في الآخرة فحسب المحبة أن تكون نجاته من النار ، ولحوقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال: ( المرء مع من أحب ) ، وفي الدنيا كذلك إعانة على هذه الطاعات ؛ لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في شأن محبة الله وموافقة رسوله في الحديث القدسي: ( كنت يده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ... ) إلى آخر ما هو معلوم .

وقفة أخيرة أيها الاخوة الأحبة:

محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء

هذه المحبة التي قلناها ما بال بعضنا يفسدها بغلوٍ يخرج عن حد الاعتدال ، أو جفاءٍ يبتعد فيه المسلم عن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعظيم محبته عليه الصلاة والسلام ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت