وليس هناك أكثر محبةً ولا أصدق ولا أعظم محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته .. خذوا هذه المواقف ، وكل واحدٍ منها حري بنا أن نعيده ، وأن نكرره ، وأن نحفظه ، وأن نتذكره ؛ لنرى كيف كانت محبة القوم رضوان الله عليهم .
هذا عمرو بن العاص يقول مخبراً عن نفسه:"ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملئ عيني منه إجلالاً له ، ولو سوئلت أن أصفه ما أطقت ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه"
من هيبته لم يكن يستطيع أن يتأمل في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن محبته كان يتوق إليه ويشتاق .
خذوا هذا الوصف من ابن عمه وزوج ابنته والفصيح البليغ علي ابن أبي طالب حينما سئل: كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ، ومن الماء البارد على الظمأ"وهذا من مآثر الصحابة رضوان الله عليهم ."
وحسن أولئك رفيقاً
روى الشعبي والحديث بطرقه حسنه أهل العلم: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت !
أي أنت أحب إلي ولئن هناك فرصة فآتي فأراك فتسكن نفسي ، ولو كنت أتصور أني لا أراك سأموت .
ثم بكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبكاك ؟ قال: ذكرت يا رسول الله أنك ستموت فترفع مع النبيين ، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك ! أي لن أراك في الجنة ، فلم يخبرهم بشيء حتى نزل قوله عز وجل: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً } ، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكون معه ما دام قد أحبه .
كل مصيبة بعدك جلل
ومن أعظم هذه المواقف: لما كان يوم أحد وأشيع مقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة ، فخرجت امرأة من الأنصار فاستقبلت بخبرموت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها يعني كلهم ماتوا واستشهدوا - رضوان الله عليهم - ، فكلما مرت على أحدهم قالت: من هذا ؟ قالوا أبوك .. أخوك .. زوجك .. ابنك .. وهي تقول: ما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون: أمامك ! وهي تمضي - تركت الزوج والابن والأخ والأب - لم تقف ، ما زالت تمضي ، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذت بثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب .
وفي روايةٍ أخرى لسعد ابن أبي وقاص في قصة هذه المرأة قالت: ما فعل رسول الله ؟ قال بخير يا أم فلان - هو بحمد الله كما تحبيه - قالت: أرونيه حتى أنظر إليه ، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبةٍ بعدك جلل ، أي هينة .
محبة الصدّيق
وأبو بكرٍ - رضي الله عنه - في مكة ، يوم اجتمع كفار قريش يريدون أن يضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء أبو بكرٍ يدافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فتركوا الرسول وتوجهوا إلى أبي بكر وضربوه بنعالهم ، قال ابن هشام: وحرفوا نعالهم في وجهه حتى سقط مغشياً عليه ، ما يعرف وجهه من أنفه - أي من شدة التورم - قال ثم حمل ما يشك في موته أحد - من شدة ما لقي من الضر - قال: فلما أفاق كان أول ما قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: هو بخيرٍ كما تحب ! قال: حتى أراه ، فحمل يهادى بين رجلين ، فلما رأى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل وجهه وفرح رضي الله عنه وأرضاه .
وهذا من مواقف الحب الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
ما أحب أن تصيبه شوكة
ومن هذه المواقف العظيمة ما كان من قصة زيد بن الدثنه رضي الله عنه الذي أسره أهل مكة ثم خرجوا به ليصلبوه فقال له أبو سفيان - كان إذ ذاك على كفره -: أتحب أن محمداً مكانك وأنت في أهلك وولدك ؟ أنت الذي اتبعت محمداً صلى الله عليه وسلم ، فجاءك هذا الموقف ، والآن ستصلب فهل تحب أن يكون محمد مكانك ، وأنت في أهلك وولدك ؟ فماذا كان الجواب ؟
قال: والله ما أحب أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكةٍ وأنا آمن في أهلي وولدي .
فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً - صلى الله عليه وسلم - !!
وهناك مواقف كثيرة لا بد من ذكرها لبعض السلف من التابعين لنعرف أن هذه المحبة هي كما قلنا جوهر إيماننا وأساس من أسس إسلامنا ..
هذا مالك ابن أنسٍ يقول عن أيوب السختياني - رحمه الله -: ما حدثتكم عن أحدٍ إلا وأيوب أوثق منه - أي في مكانه عالية - قال مالك: وحج حجتين ، وحججت معهم ، فكنت أرمقه ولا أسمع منه - أي لا يسمع منه الحديث - قال: غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه ! فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه - أي أخذ عنه الحديث - لما رأى من إجلاله ، وفعل محبته وتأثره بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم .