فهرس الكتاب

الصفحة 6750 من 9994

الأمر في هذا يطول كثيراً ، والخلاف والخروج عن مقتضى سنته ، ومقتضى محبته في هذا الباب كثير ، وخير الأمور أوسطها .. الغلو خرج به قوم إلى صورٍ كثيرة لا تخفى عليكم من حيث الواقع ، ولكني أذكرها من حيث المنهج والمبدأ .

من يجعل المدح مدخلاً لذكر ما هو خاص مستحق لله عز وجل لا يجوز أن يشاركه فيه غيره ، ولا أن يوصف به غيره ، ولو كان هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يُدعى رسول الله عليه الصلاة والسلام ما هو من حق الله ، وخصائص الله سبحانه وتعالى ، وهذا يأباه النبي صلى الله عليه وسلم !

وقد علّمه للناس في وقته وفي زمانه ، كما قال: ( لا تقل: ما شاء الله وشئت ، ولكن قل: ما شاء الله ثم شئت ) بعضهم يقولون لك هذه الألفاظ تعبير عن المشاعر ، ولا نقصد بها عين الألفاظ ! نقول: سبحان الله ! هل أنتم أعلم أو أحكم من رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ لِمَ ترك التنبيه على الألفاظ إذا كانت ليست مؤثرة ، وليست بذات تأثيرٍ في النفس ، وتأثير في الفكر والعقل !!

وكان الصحابة يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويثنون عليه ، وهو يقول عن نفسه: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) ، ولكنه يقول: ( لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم ) كيف أطروه ؟ قالوا: هو الله ! خرجوا به عن حد بشريته ، وخرجوا به عن حد نبوته ، وعن حد تعظيمه الذي يناسب مقامه ومكانه ، فهذا غلو ليس مطلوباً بحال .

وضرب آخر من الغلو وهو: الإتيان بالمخالفات - عملية وفعلية - لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء للمحبة ، أو في أوقات وأفعال وأحوالٍ تُدعى فيه محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالاجتماع لمحبته مع وجود الاختلاط ، أو وجود ما هو مذموم من الغناء والخروج عن حد الاعتدال أو ما هو مذموم من ادعاء أمورٍ الغيبية من حلول روحه ، أو من تجسد روحه ، أو من رؤيته ، ونحو ذلك .. وهذه الأمور التي لا تثبت ، بل يثبت في عموم الأدلة وبعض الأحوال في خصوصها من يناقضها ويعارضها ، حتى هذا الادعاء ليس له دليل ، وليس له حجة .

ثم أمر ثالث أيضاً في هذا الغلو وهو: الإدعاء والاختراع لأمورٍ وأقوال وأحوال لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

النبي عليه الصلاة والسلام علمنا الصلاة عليه ، ووردت لنا في أحاديثه صيغ كثيرةٍ من الصلوات ، وهناك صيغ فيها إطلاق للصلاة عليه والسلام مثل:"الصلاة عليه عدد قطر الأمطار"ومثلها لا بأس ، ولكن أن نخصص صلوات معينة ، لا بد أن تحفظ ، وأن تذكر بعددٍ من المرات ، من أين لنا هذا ؟ ومن أين لنا أن نوجب على الناس ، أو أن نسنّ لهم ، أو أن نشرّع لهم ما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلامه أوثق وأقوى ، وهو الذي أوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام .

ونجد كذلك هناك ادعاءات كثيرة فيما يتعلق بالأقوال والأحاديث ، بعضها ضعيف ، وبعضها موضوع ، وبعضها لا يثبت ، ومع ذلك كل هذا يقال وينسب لرسول صلى الله عليه وسلم بادعاء الرغبة في المحبة ! أو التحليل ، وهذا كله خارج حد الاعتدال .

ويمكن أن نقول هناك تنبيهان أساسيان في هذا:

أولهما: أنه يجب على المسلم المعظم المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين ما هو حق لله عز وجل لا يجوز أن يوصف ، ولا أن ينسب لأحدٍ إلا لله عز وجل ، وبين ما هو حق لرسوله صلى الله عليه وسلم وتعظيم له ، فالالتجاء وطلب كشف الضراء وغير ذلك أثبته النبي صلى الله عليه وسلم لله عز وجل ، وبين في نصوص القرآن أصل ما يدل على ذلك .

والأمر الثاني: التفريق بين صور التعظيم المشروع - أو الداخل في دائرة المشروع - وبين ما هو معلوم وظاهر أنه يخالف هدي وسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما الجفاء فكذلك إن كنا ننكر الغلو ونحذر منه فكذلك الجفاء كثيراً أو بعضاً من الناس في قلبه شيء من الجفاء ، ولا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ، ولا يصلي على رسول الله على الصلاة والسلام إذا ذكر ، وإذا ذكر مرة صلى ، فإذا تكرر ذكره ثانيةً أو ثالثةً لم يصلي ! كأن الصلاة تشق عليه أو تثقل على لسانه !

هذه مسائل خطيرة ، وهذه الصور من الجفاء - حتى بترك زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ترك السلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام - وبترك التعلق بسنته ونحو ذلك كثيرٌ من الصور يمكن أن نذكر بعضاً منها صور جفاء منها: البعد عن السنة باطناً وظاهراً ، ترك سنن النبي عليه الصلاة والسلام ضربٌ من الجفاء ، ومجانبة لمحبته عليه الصلاة والسلام .

ولذلك - أيها الاخوة الأحبة - ليست المحبة الادعاء ؛ فكثير من أحوالنا ظاهراً وباطناً فيها مخالفة للرسول ، فكيف لا نشعر أن هذا نقص ؟ إن في هذا نقص لمحبتنا رسول الله عليه الصلاة والسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت