وهذا الحديث رواية من الروايات عند مسلمٍ في صحيحه أن بلالاً رضي الله عنه يوم ذهب إلى بلاد الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان بلال يقول: لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا أراد أن يؤذن إذا جاء بقوله:"أشهد أن محمداً رسول الله"تخنقه عبرته فيبكي رضي الله عنه وأرضاه ، فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين ، ورجع بعد سنوات ، ثم دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحان وقت الأذان فأذن بلال فبكى وأبكى الصحابة بعد انقطاعٍ طويل غاب فيه صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتذكروا بلالاً وأذانه ، وتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان بلال رضي الله عنه عند وفاته تبكي زوجته بجواره ، فيقول:"لا تبكي غدً نلقى الأحبة محمداً وصحبه"، فكان يشتاق للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو واحد من المبشرين بالجنة كما ثبت ذلك في الحديث لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة ؛ فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة ؟ قال بلال: ما عملت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي .
وهكذا روي عن حذيفه ابن اليمان وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين كلهم روى أو ذكر القاضي عياض في الشفاء أنهم قالوا:"غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه".
وهذا الشوق في حياة الصحابة يأتي ذكراً وطرف في صور محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
رابعاً: محبة الكتاب الذي أنزل عليه ، والذي بلّغه لأمته
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختص بمعجزنه الخالدة إلى قيام الساعة ، وهي كلام الله - عز وجل - وكتابه العظيم كتاب الله الذي فيه الهدى والنور ، لماذا ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في القرآن حال المرتحل ، ما معنى الحال المرتحل ؟ لا يختم حتى يبدأ ختمه جديدة ، وكان كما قالت عائشة:"خلقه القرآن"، وهو أعذب وأمتع من قرأ القرآن ، فمن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب القرآن والتعلق به .
خامساً: محبة آل بيته صلى الله عليه وسلم
ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .
روى زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فينا خطيباً بماءٍ بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ثم قال: ( ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، ثم قال: وأهل بيتي اذكركم الله في أهل بيتي ) .
وآل بيته هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفرٍ ، وآل عباس هؤلاء حرموا الصدقة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهم آله ، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه والأحاديث في هذا كثيرة ، ولها دلالات عظيمة .
ولذلك ذكر أهل العلم في هذا المعنى أقوالً كثيرةً وقال ابن تيميه رحمه الله: وآل محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - هم الذين حرّمت عليهم الصدقة"، وهكذا قال الشافعي وأحمد ابن حنبل وغيره من العلماء ، والأحاديث في فضله مبسوطة ، كما هو في نساء النبي في آله كما في قوله جل وعلا: {يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء } ، وكما في قوله: {النبي أولى من المؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } ، وكما في قوله عز وجل: {ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } ،"
والأحاديث في فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي آل بيته عظيمة ؛ لأن الله عز وجل قال: { محمدً رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } .
وذكر الترضي على الصحابة ، فمن أحب النبي عليه الصلاة والسلام أحب صحابته ، ومن أبغض أحداً من صحابته فقد كذب في حبه في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أبغض بعضاً ً أو واحدةً من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب في محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وأعظم على الله وعلى رسوله الفرية ! وكان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه سعيد الخدري رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تسبوا أصحابي فوا الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه ) .
وقال في حديث أنس الصحيح: ( آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغضهم ) ، فحب الصحابة وحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذلك من الإيمان ومن محبة النبي صلى الله عليه وسلم .