هذا أنس يقول: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غشاً لأحدٍ فافعل ) . ثم قال لي: ( يا بني وذلك من سنتي ، ومن أحيا سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان معي في الجنة ) رواه الترمذي.
معادلةً واضحة ، المحبة في هذا الإتباع ظاهرة
قال ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم كلاماً جميلاً:"فمن أحب الله ورسوله محبةً صادقةً من قلبه ، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله ، ويكره ما يكره الله ورسوله ، ويرضى ما يرضى الله ورسوله ، ويسخط ما يسخط الله ورسوله ، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض ؛ فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله ، أو ترك بعض ما يحب الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه ، دلّ ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة".
وهنا ملحوظة مهمة تتعلق بمن عصى أو قصر في الواجب فهذا دليل - كما ذكر ابن رجب - على نقصان محبته ، لكنها لم تزل ! ولذلك بعض الناس يتعجب حينما يرى العاصي فيقول: إنه مبغض لرسول الله ، أو كاره لرسول الله ، تلك تهمة عظيمة وفرية كبيرة ! حسبكم في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ، في الرجل الذي كان يشرب الخمر فأوتي به فجلد ، ثم شرب مرةً أخرى فأوتي به فجلد ، ثم ثالثةً فأوتي به فجلد ، فقال رجل من الصحابة: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به ! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تلعنه ؛ فإنه يحب الله ورسوله )
أثبت لهم النبي المحبة مع وقوعه في كبيرة من الكبائر ، فلا تهجموا على الناس بنفي المحبة ؛ فإنها نفي إيمانٍ وإخراج من الملة ، إن كنت تقصد نزعها بالكلية والعياذ بالله .
ثانياً: الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه
لا شك أيها الاخوة أن من أحب إنساناً أكثر ذكره ، وأكثر من ذكر محاسنه ، فتجد بعض الناس إذا أحب إنساناً لا يجلس مجلساً إلا ويقول:"انظر ماذا فعل فلان .. قال كذا وكذا .. فلان جزاه الله خيراً .. فلان لا يمكن أن نقدر قدره .."، ونحن ينبغي أن نطيب ونعطر مجالسنا في كل وقتٍ وحينٍ بذكر مآثر النبي صلى الله عليه وسلم ، وسيرته وأحواله وشمائله ، وهذا ذكر هو الذي يهيج هذه المحبة ويبعثها ، وكثرة الصلاة عليه الصلاة والسلام تترك هذا المعنى { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } .
وفي ذلك امتثال لقوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ، ثم صلوا عليّ ؛ فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه به عشرا ) .
وحديث أُبّي بن كعب رضي الله عنه حينما قال: يارسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي ؟ فقال: ماشئت، قلت الربع ؟ قال:"ماشئت ؛ فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف ؟ قال: ماشئت ؛ فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالثلثين؟ قال: ماشئت ؛ فإن زدت فهو خير لك ، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تُكفى همك ويغفر ذنبك . أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، والترمذي في سننه ، وصحح إسناده الحاكم في مستدركه ووافقه الذهبي ."
قال الشراح: كان أُبّي يقصد أن له وردٌ من الدعاء دائم ، فكان يصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن آداب الدعاء أن يقدّم بالحمد والثناء على الله ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: كم أجعل لك من ذلك ؟ قال زد حتى لو كان الحمد والثناء والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام ؛ فإنه وإن قلّ الدعاء يكون فيها ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم: إذاً تكفى همّك ويغفر ذنبك"."
ثالثاً: تمني رؤيته والشوق إليه
وقد كان ذلك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم رأوه لكنهم إذا افتقدوه اشتاقوا إليه ، وأتوا في ذلك من الأحوال ما سنذكره في وقفة خاصة ، لكن هذا الشوق شوق حقيقي ، كلكم يعلم من كان يحب زوجته وأبنائه كيف يكون حاله إذا اغترب عنهم ؟
إذا أراد أن يخلد إلى نومه تجلّت له صورهم ، تذكر أحوالهم ، كأنما يسمع أصواتهم ترن في أذنيه ، كأنما يراهم يتلاعبون ويتحركون بين يديه ، وما تزال زفراته تتابع ، وربما عبراته تتوالى شوقاً إلى لقياهم ، فإذا التقى به ربما طاش عقله ، وربما تخلى عن وقاره فهفا إليهم معانقاً ومحباً ! تلك بعض مشاعر المحبة في درجةٍ دنيا وأعظم منها الدرجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في محبته .
وقد قلنا لكم الحديث عند مسلم: ( من أشد الناس حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رأني بأهله وماله ) .
وخذ هذه أيضاً الأمثلة والأحاديث من رواية أبو هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفس محمدً بيده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني ، ثم لئن يراني معه أحب إليه من أهله وماله ) أوكما قال صلى الله عليه وسلم .