فهرس الكتاب

الصفحة 6744 من 9994

ونحن نعلم مواقف كثيرة في يوم حنين يوم قسمت الغنائم ، ووجد بعض الأنصار في أنفسهم شيئاً ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقسّم لهم ، وقسّم للمؤلفة قلوبهم ، فلما جاءهم إلى مكانه ذكر لهم عليه الصلاة والسلام بعض فضله عليهم ، بما فضله الله عز وجل عليه قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم ؟ ووجدة وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل، قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل ؟ قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك . أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت قوماً ليسلموا ؟ ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار .

قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا .

وهذا من أعظم ما يظهر فيه كذلك أثر أوداع محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك كمال نصحه لأمته وعنايته على تعليمهم ، حتى قال الصحابة - كما روى بعضهم - في سنن أبي داود قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة ) ، أي حتى قضاء الحاجة ، علم أمته كل شيء ، وكان عليه الصلاة والسلام لا يدع فرصةً إلا ويعلمهم ، ولا يدع فرصةً إلا ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب ، حتى جئنا إلى أيامنا هذه وإلى ما بعدها ، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نراه في يقظته ومنامه وحله وترحاله وسلمه وسفره ، بل نحن نعرف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من سيرته أكثر مما نعرف عن أنفسنا .. لم يعرفوا منكم عن صغره من يعرف منكم حاله في نومه أو يقظته رصدت حياته صلى الله عليه وسلم ورصد لنا وصفه وشعره كم شعرةً بيضاء في لحيته كل ذلك في وصفٍ دقيقٍ بليغٍ ، حتى كأن كل شيءٍ في حياته كأنما ورد في وضح النهار وفي رابعة الشمس كما يقولون .

وكذلك من دواعي المحبة خصائصه وخصاله العظيمة ، ويكفينا في ذلك قول الله عز وجل: { وإنك لعلى خلق عظيم } .

وكم اجتمع فيه - عليه الصلاة والسلام - ما تفرق من وجوه الفضائل والأخلاق والمحاسن في الخلق كلهم ، فكان هو مجتمعه المحاسن عليه الصلاة والسلام ، وحسبنا ذلك في هذه الدواعي ، وإلا فالأمر كثير ؛ فإن الذين مالت قلوبهم ، وملئت حباً لرسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه ، إنما سبى قلوبهم ، واستمال أنفسهم بما كان عليه من الخلق وحسن المعاملة ، وكمال الرحمة ، وعظيم الشفقة ، وحسن القول إلى غير ذلك من ما هو معلوم من شمائله عليه الصلاة والسلام .

مظاهر المحبة وعلاماتها

لأن لكل شيءٍ دليل ، ولكل إدعاءٍ برهان ، ولكل حقيقةٍ في الباطن أثرٌ وبرهانٌ وصورةٌ في الظاهر .

ومن هنا نذكر بعض هذه المعالم العظيمة المهمة من مظاهر وعلامات محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

ومن أولها: محبته باتباعه والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم

تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع

إن كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

وكما قال ابن الجوزي مستشهدً بقول مجنون ليلى:

إذا قيل للمجنون ليلى تريد أم الدنيا وما في طواياها

لقال غبار من تراب نعالها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها

قال ابن الجوزي:"وهذا مذهب المحبين بلا خلاف ، فكل محبٍ يكون أدنى شيءٍ من محبوبة أعظم إليه من كل شيءٍ في دنياه ، فكان أدنى شيءٍ من الله ، ومن رسوله أعظم وأحب إلى كل مؤمن من كل شيءٍ في دنياه".

وحسبنا في ذلك ما جاء في كتاب الله في قصة يوسف عليه السلام: { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ، أحب السجن ؛ لأنه في مرضات الله وفي العصمة من معصية الله ، ولا أحد يحب السجن بظلمته وأسره وقيده ، لكنه كان محبوباً لقلبه لما كان في محبة ربه وسلامتهم من معصيته .

وهكذا نجد النصوص تتضافر في ذلك ، استمع إلى هذا الحديث يرويه أنس رضي الله عنه - وأنس تعلمون أنه خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين - عند الترمذي وقال عنه: حسن غريب .

يقول:"خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قط لشيءٍ فعلته لما فعلته ،ولا لشيء لما أفعله لما لا أفعله"، كيف كان يأمره وينهاه وهو خادمه ؟ لو أردنا أن نفعل ذلك مع أحدٍ من خدمنا لا نستطيع أن نفعل ذلك ، ولو عشرة أيام وليس عشر سنوات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت