وحديث ابن عباسٍ أيضاً ، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحب الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي ) . رواه الترمذي في سننه وحسنه ، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال:"أي أحب الله لما يغدوكم به من النعم لنعمه الكثيرة عليكم ، وأحبوني بحب الله عز وجل وأحبوا أهل بيتي لحبي"، فكلنا محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وجوبٍ ، ومحبة اختيارٍ وتعظيمٍ له عليه الصلاة والسلام ، وأمر هذا الوجوب لا يحتاج للأدلة ، ولكننا نريد أن نعظم هذه المحبة في قلوبنا ونحن نرى الآيات التي تتلى إلى قيام الساعة توجب إلى هذه المحبة وتبرزها عظيمةً عاليةً في مقامها ، مقترنةً بمحبة الله عز وجل ، راجحةً بكل ما تتعلق به القلوب من أنواع المحبة والمحاب الدنيوية في شتى صورها وأنواعها .
فلعلنا حينئذٍ ندرك هذا ، وندرك أيضاً عظمة هذا الوجوب عندما ندرك هذه النصوص القاطعة الواضحة في أن محبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة النفس التي بين جنبيك ، وأنفاسك التي تتردد ، وقلبك الذي يخفق ، فضلاً عن محبة الزوج والأبناء أو الأمهات والآباء ، فما أعظم هذه المحبة التي هي أعظم محبةٍ لمخلوقٍ من بني آدم في الدنيا ، وفي الخليقة كلها ، وهي التي استحقها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ووجبت على كل مؤمنٍ مسلمٍ با لله سبحانه وتعالى
دواعي هذه المحبة
ومعنى ذلك أننا نقول: لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ طبعاً لا نقول هذا السؤال كأننا لا نريد هذه المحبة ! ونسأل لماذا على سبيل عدم الرغبة كلا ! وإنما نريد مرةً أخرى أن نهيج القلوب والمشاعر لهذه المحبة ، وأن نؤكدها ، وأن نحرص على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحرك بها المشاعر ، وتنصبغ بها الحياة وتكون هي السمت والصبغة التي يكون عليها المسلم في سائر أحواله بإذن الله عز وجل .
أولاً: حب رسول الله صلى الله عليه وسلم تابع لحب الله
ونحن نحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه حبيب الله عز وجل فمن أحب الله أحب كل من أحبه الله وأحب كل ما أحبه الله وأعظم محبوب من الخلق لله - عز وجل - هو رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( ولكن صاحبكم خليل الرحمن ) .
يعني نفسه - صلى الله عليه وسلم - والخلة هي أعلى درجات المحبة لماذا قالوا ؟ لأنها تتخلل في القلب وفي كل شيءٍ في هذا الإنسان فيصبح كأن كل خليةٍ منك ، وكأن كل نفسٍ منك ، وكأن كل كلمةٍ منك ، وكأن كل عاطفةٍ منك كلها تخفق بهذه المحبة وتؤكدها ؛ لأنها - كما قلنا - محبة لما أحبه الله عز وجل واصطفاه من بني خلقه جميعاً كما أخبر عليه الصلاة والسلام ، قال: ( فأنا خيارٌ من خيار من خيار ) هو صفوة الله من خلقه أجمعين ، وكما ورد في الحديث الذي صححه أهل العلم ، قال عليه الصلاة والسلام: ( إني من نكاحٍ وليس من سفاح في كل الأصلاب ) . أي منذ الخليقة الأولى حتى من لم يكن مسلماً لو من يكن من أجداده كلهم لم يكن في نسبه ولا في أصله عليه الصلاة والسلام سفاحٌ ، بل نكاح صحيح ، وذلك من طيب محتده ، وعراقة أصله ، وطهارته التي اصطفاه الله عز وجل له لأجلها ، واختارها ووضعها له عليه الصلاة والسلام .
وثانياً: لأن الله سبحانه وتعالى أظهر لنا كمال رأفته وعظيم رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته
نحن نحب الإنسان متى إذا وجدناه بنا رحيماً ، وعلينا شفيقا ، ولنفعنا مبادراً ، ولعوننا مجتهداً .. أحببناه من أعماق قلوبنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو في هذا الباب أعظم من رحمنا ورأف بنا ، وإن كان بيننا وبينه هذه القرون المتطاولة .
قال تعالى: { لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } .
ولو أردنا أن نذكر أمثلةً لذلك طال بنا المقام ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً كان يقول: ( لولا أن أشق على أمتي .. ) . وكم من الأحاديث الذي ورد فيها رقته ورحمته بأمته ، كما ورد في الحديث عن الذين جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، يقول راوي الحديث: وكنا شبيبة متقاربين ، فمكثنا في المدينة نتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى أنا قد اشتقنا لأهلنا - وكان أرحم بنا من أنفسنا - قال: ( ارجعوا إلى أهليكم ، وليؤمكم أكبركم ، وعلموا من ورائكم ) رحمة بهم .
بل تعرفون كان إذا سمع بكاء الصبي يخفف من صلاته رأفةً وشفقةً على قلب أمه به ، وذلك من كمال رحمته وشفقته عليه الصلاة والسلام .