فهرس الكتاب

الصفحة 6742 من 9994

ويأتينا كذلك دليلاً آخر وهو عظيم وموجز وبليغ في قول الحق جل وعلا: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } ، ويبين ابن القيم - رحمه الله - الدلالة على وجوب المحبة في هذه الآية من وجوهٍ كثيرة ضمنها أمرين اثنين .

الأول: أن يكون أحب إلى العبد من نفسه ؛ لأن الأولوية أصلها الحب ونفس العبد أحب إليه من غيره ، ومع هذا يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به منها - أي أولى به من نفسه وأحب إليه من نفسه - فبذلك يحصل له اسم الإيمان ، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضى والتسليم ، وسائر لوازم المحبة من الرضى بحكمه ، والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه .

وأما الجانب الثاني: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً ، بل الحكم على نفسه لرسول صلى الله عليه وسلم ، يحكم عليه أعظم من حكم السيد على عبده ، أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف إلا ما تصرف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى به من نفسه ، أي بما جاء به عن الله عز وجل ، وبلغهم من آياته وأقامه ونشره من سنته صلى الله عليه وسلم .

والآيات في هذا كثيرة - أحبتي الكرام - والإيجاز هو مقصدنا في هذا ؛ وإلا فإن قوله سبحانه وتعالى: { قال إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } هو كذلك من هذه الأدلة العظيمة الشاهدة على وجوه محبة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لا نزاع في أن محبة الله واجبة ، وأن أتباع النبي ومحبته طريق إلى محبة الله كما سيأتي ( من أحبني فقد أحب الله ) كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم .

وكما قلنا الآيات تكثر من أن تحصر في هذا المقام ، وأما أحاديثه صلى الله عليه وسلم فصريحة جلية واضحة في الدلالة على وجوب هذه المحبة ، ومن ذلك الحديث المشهور المأثور الصحيح من حديث أنسٍ - رضي الله عنه - أخرجه البخاري قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله ووالده وولده والناس أجمعين ) .

وكلنا يعرف الحديث الصحيح المشهور في قصة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قال عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيءٍ إلا من نفسي ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ) فقال عمر: فإنه الآن - والله - لأنت أحب إلي من نفسي ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( الآن يا عمر ) . ولم يكن قول عمر الأول أنه ليس محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه ، إنما أخبر عن مقتضى الأصل الطبعي في الإنسان أن أحب شيءٍ إليه نفسه ، فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمصطلح الإيماني أقرّ عمر بأنه بالمعنى الإيماني يفضل النبي ويحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه ، فقال له حينئذٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الآن يا عمر ) ومما يستدل به كذلك من هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رضي الله عنه: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) .

ثم إن حبّ الإنسان نفسه طبع ، وحب غيره اختيار - كما ذكر ذلك الإمام الخطابي - ولذلك عمر جوابه الأول ذكر الطبع ، ثم بعد ذلك ذكر الاختيار الذي هو مقتضى الإيمان .

ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين: أحدهما فرض ، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته وبعثته وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول والرضى والتسليم .

ودرجةً ثانية هي: محبة مندوبة ، وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته ، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة .

ومن الأدلة كذلك ما ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المشهور المحفوظ -: ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ، وهذه أحاديث كثيرة أخرى ، منها حديث أنس عن الرجل الذي جاء فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله متى الساعة ؟ فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام ثم عاد إليه فقال: ما أعددت لها ؟ قال: حب الله ورسوله ، فقال: ( فإنك مع من أحببت ) .

وفي الرواية الأخرى قال أنس:"ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنك مع من أحببت ) ، فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكرٍ وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم".

ومن ذلك أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه - وهو حديث جميل رائع - أخرجه مسلم في صحيحه ، وليس من المشتهر المتداول بين الناس قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رأني بأهله وماله ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت