فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 9994

إن من البيان سحرًا، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (( إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِه، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا ) )

هل المراد بهذا الحديث المدح أو الذم ؟

نقل الإمام النووي عن القاضي الخلاف في هذا الحديث، ثم ذكر أن الصحيح المختار أن المراد به المدح لأن الله امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر لأنه يصرف القلوب ويميلها إليه.

إن من أهم خصائص الأسلوب الخطابي عنصر الشعور والوجدان والإثارة والتشويق الذي يسحر القلوب ويأخذ بالألباب، فعلى الخطيب أن يعتني بالأساليب البلاغية ويختار لكل عبارة قالبها المناسب.

وإذا أراد السجع فليختر منه ما ليس بمتكلف، قصير الفقرات، سهل المأخذ، يخف على السمع، ويحرك المشاعر بحسن جرسه.

ويرتبط بالسجع رعاية المقاطع والفواصل، واختيار الجمل القصيرة، نظرًا لأثرها على المستمع عند الوقوف على آخرها.

تجنب المصطلحات العلمية الدقيقة:

إذا كنت من ذوي الاختصاصات العلمية - عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا ـ فضاعف حذرك حين تتحدث إلى الآخرين، وعبر بألفاظ واضحة مقدمًا التفاصيل الضرورية.

إنه لعمل جيد أن تختار إنسانًا يبدو الأقل ذكاء من بين الجمهور وتحاول أن تثير اهتمامه بنقاشك، وهذا لا يمكن فعله إلا من خلال العبارة السهلة والأسلوب الواضح.

مراعاة السامعين:

ينبغي للخطيب أن يراعي حال التأدية استعداد السامعين، فينزل في العبارة مع العامة على قدر عقولهم متجنبًا الألفاظ اللغوية البعيدة عن مداركهم ويتوسط مع الأوساط، ويتأنق مع الخاصة، فيكون مع جميع الطبقات حكيمًا يضع الأشياء في مواضعها، وفي كل حال يتجافى في كلامه عن كل زخرف باطل.

وعليه أن يستعين بالشواهد من الحكم النثرية والشعرية، والملح التاريخية في إيصال رسالته إلى أذهان السامعين وإنفاذها في قلوبهم ودفع السآمة والملل عنهم.

أسلوب الوصف التصويري في عرض القصص أو الحوادث:

هذه مسألة هامة. وهي في الحقيقة جانب من جوانب البلاغة في لغتنا العربية، وسر من أسرار الخطابة المؤثرة.

ويكمن هذا السر في التعبير بالفعل المضارع في عرض المشاهد والأحداث عوضًا عن الفعل الماضي.

إن الغرض البلاغي من تصوير المشهد بهذا الأسلوب هو أن يستحضر المخاطب صورته في ذهنه، كأنها ماثلة أمامه، ويشعر أنه يعيش في أجوائه، فيستولي الخطاب على قلبه، ويحرك مشاعره.

أمثلة تطبيقية:

تأمل قول الله تعالى على لسان إبراهيم u وهو يقص رؤياه على ابنه إسماعيل u وكأنها رأي العين قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك الآية.

وقال عز وجل في تصوير مشهد الأرض وهي تخضرّ بنزول الماء من السماء ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة الآية.

قارن بين هذين الأسلوبين:

( في أحد أيام السنة الثالثة والعشرين من الهجرة خرج عمر بن الخطاب إلى المسجد في صلاة الفجر، وكان إذا أقيمت الصلاة سوى الصفوف بقوله استووا، فلما كبر هجم عليه الشقي أبو لؤلؤة المجوسي فطعنه عدة طعنات بسكين ذات حدين ) .

(المكان:مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.. الزمان: اليوم الأخير من خلافة الفاروق t.

يخرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من بيته ليصلي بالناس صلاة الفجر.. يدخل الفاروق المسجد.. تقام الصلاة.. يتقدم عمر ويسوي الصفوف بقوله: استووا.. استووا.. يرفع يديه ويكبر.. فإذا بالشقي أبو لؤلؤة المجوسي يهجم عليه فيطعنه عدة طعنات بسكين ذات حدين ).

المقارنة بين الواقع والمأمول:

في نقد الأخطاء، وتقويم السلوكيات قد يسأم الناس إذا اقتصر الناقد على الأفكار النظرية فقط.

لكن قلما يفشل في جذب انتباههم والتأثير في نفوسهم إذا عرض بعض المشاهد من أحوالهم الملموسة، وقارن بين هذه المشاهد ومشاهد من الأحوال الصحيحة المأمولة.

إن أكثر الأشياء إثارة لاهتمامنا هي أحوالنا التي نقع فيها. إذ كل واحد منا يشعر في هذه الحالة بأنه معني بهذا الكلام دون سواه.

مثال تطبيقي:

عرض مشاهد من الأحوال الملموسة ... مقارنة بمشاهد من الأحوال المأمولة (أحوال السلف)

1-رجل يسهر مع رفاقه، ثم ينام عن صلاة الفجر. ... كان المريض في عهد الصحابة يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.

2-شاب يبكي لهزيمة فريقه، وآخر يبكي في أغنية أو تمثيلية. ... سعيد بن عبد العزيز يبكي لما فاتته صلاة الجماعة.

3-تساهل بعض نسائنا في الحجاب. ... خروج نساء الأنصار عندما نزل الأمر بالحجاب وكأنهن الغربان.

إن مثل هذه المقارنات سيكون أثرها في نفوس السامعين أبلغ من النقد المجرد.

تأمل في هذا الدرس النبوي الذي يعتمد على أسلوب المقارنة التي تحث على الاقتداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت