فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 9994

قال و يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال ، و هو غلط ، و الصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شُميل أنه قال: التهجير إلي الجمعة و غيرها: التبكير و المبادرة إلى كل شيء ، قال: سمعت الخليل يقول ذلك . قاله في تفسير هذا الحديث .

قال الأزهري: و هذا صحيح ، و هي لغة أهل الحجاز و من جاورهم من قيس …

قال الأزهري: و سائر العرب يقولون: هجَّر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة …

قال ابن القيم: و أما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أوَّل النهار ، فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله ، و هذا ليس بحجة ، و لا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة ، فإن هذا ليس فيه إلا تركُ الرواح إلى الجمعة من أول النهار ، و هذا جائز للضرورة ، و قد يكون اشتغال الرجل بمصالحه و مصالح أهله و معاشه و غير ذلك من أمور دينه و دنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار .

و لا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة و جلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى ، أفضل من ذهابه و عوده في وقت آخر للثانية ، كما قال صلى الله عليه و سلم:"و الذي ينتظر الصلاة ثم يُصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله" (1) ، و أخبر أن الملائكة لم تزل تصلي عليه مادام في مصلاه" (2) و أخبر"أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا و يرفع به الدرجات ، و أنه الرَّباط" (3) و أخبر"أن الله يُباهي ملائكته بمن قضى فريضة و جلس ينتظر أخرى" (4) ."

و هذا يدل على أن من صلَّى الصبح ، ثم جلس ينتظر الجمعة ، فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في وقتها ، و كون أهل المدينة و غيرهم لا يفعلون ذلك ، لا يدل على أنه مكروه ، فهكذا المجيء إليها و التبكير في أول النهار" (5) ."

و قال الخطابي في شرح هذا الحديث:"معنى راح قصد الجمعة و توجه إليها مبكرًا قبل الزوال ."

قال: و إنما تأولناه هكذا لأنه لا يتصور أن يبقى بعد الزوال خمس ساعات في وقت الجمعة .

قال: و هذا شائع الكلام ، تقول: راح فلان بمعنى قصد ، و إن كان حقيقة الرواح بعد الزوال و الله أعلم (6) .

و اختلف في المراد بالساعات ، أهو المتبادر إلي الذهن من العرف فيها ، قال الحافظ:"و فيه نظر: إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي و الصائف ، لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات ، و في الطول إلى أربع عشرة . و هذا الإشكال للقفَّال ، و أجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول و القصر ، فالنهار اثنتا عشرة ساعة ، لكن يزيد كل منها و ينقص ، و الليل كذلك ، و هذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات و تلك التعديلية ، و قد روى أبو داود و النسائي و صححه الحاكم من حديث جابر مرفوعًا:"يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة"و هذا و إن لم يرد في حديث التبكير ، فيستأنس به في المراد بالساعات ."

و قيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلي الزوال ، و أنها تنقسم إلى خمس . و تجاسر الغزالي فقسمها برأيه ، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلي طلوع الشمس ، و الثانية إلي ارتفاعها ، و الثالثة إلي انبساطها ، و الرابعة إلى أن ترمص الأقدام ، و الخامسة إلى الزوال .

و اعترضه ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى ، و إلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى ، لأن المراتب متفاوتة جدًا …" (1) ."

فائدة:

قال النووي:"من جاء في أول ساعة من هذه الساعات و من جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو غيرهما ، و لكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة ، و بدنة المتوسط متوسطة …" (2) .

8-استحباب المشي إليها و عدم الركوب من غير عذر:

قال ابن قدامة:"و المستحب أن يمشي و لا يركب ، لقوله: ( و مشي و لم يركب ) (1) . و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لم يركب في عيد و لا في جنازة (2) . و الجمعة في معناهما ، و إنما لم يذكرها ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم كان باب حجرته شارعًا في المسجد يخرج منه إليه ، فلا يحتمل الركوب . و لأن الثواب علي الخطوات …." (3) .

قال النووي:"… قوله صلى الله عليه و سلم: ( و مشى و لم يركب ) فقد قدمنا عن حكاية الخطابي عن الأثرم أنه للتأكيد ، و أنهما بمعنى . و المختار أنه احتراز من شيئين: أحدهما: نفي توهم حمل المشي علي المضي و الذهاب و إن كان راكبًا . و الثاني: نفي الركوب بالكلية ، لأنه لو اقتصر علي المشي لاحتمل أن المراد وجود شيء من المشي و لو في بعض الطريق ، فنفى ذلك الاحتمال و بين أن المراد مشي جميع الطريق و لم يركب في شيء منها …" (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت