فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 9994

قال ابن القيم في توجيه اختصاص الجمعة بذلك: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام ، و كان العيد مشتملًا علي صلاة و قربان ، و كان يوم الجمعة يومَ صلاة ، فجعل الله سبحانه التعجيل فيه إلي المسجد بدلًا من القربان و قائمًا مقامه ، فيجتمع للرائح فيه إلي المسجد الصلاة و القربان .

و قد دل الحديث علي استحباب التبكير إلي الجمعة في الساعة الأولى ، و قد اختلف الفقهاء في هذه الساعة علي ثلاثة أقوال ، ذكرها النووي في شرح المهذب، قال:

الأول: الصحيح عند المصنف و الأكثرين: من طلوع الفجر .

و الثاني: من طلوع الشمس . و به قطع المصنف في التنبيه ، و ينكر عليه الجزم به .

و الثالث: أن الساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال ، و اختاره القاضي حسين و إمام الحرمين و غيرهما من الخراسانيين و هو مذهب مالك …." (2) ."

و احتج أصحاب هذا القول عليه بحجتين:

إحداهما: أن الروح لا يكون إلا بعد الزوال .

الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير ، و لم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس ، و أنكر مالك التبكير إليها في أول النهار ، و قال: لم ندرك عليه أهل المدينة .

و قال: أما الذي يقع بقلبي ، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات …

قال أبو عمر ابن عبد البر: و الذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة و يشهد له أيضًا العمل بالمدينة عنده ، و هذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل ، لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء .

قال فمن الآثار التي يحتج بها مالك ، ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"إذا كان يوم الجمعة ، قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة ، يكتبون الناس ، الأول فالأول ، فالمهَجَّر إلي الجمعة كالمُهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة (1) …"الحديث … فجعل الأول مُهَجَّرًا ، و هذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة و التهجير و ذلك وقت النهوض إلى الجمعة ، و ليس ذلك وقت طلوع الشمس …

و قال النووي في الرد علي قول مالك و من وافقه:"… و معلوم أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بالزوال ، و كذلك جميع الأئمة في جميع الأمصار ، و ذلك بعد انقضاء الساعة السادسة فدل عليى أنه لا شيء من الهدى و الفضيلة لمن جاء بعد الزوال و لا يكتب له شيء أصلًا ، لأنه جاء بعد طي الصحف ، و لأن ذكر الساعات إنما كان للحث علي التبكير إليها و الترغيب في فضيلة السبق و تحصيل فضيلة الصف الأول و انتظارها و الاشتغال بالتنفل و الذكر و نحوه ، و هذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال شيء منه و لا فضيلة للمجيء بعد الزوال ، لأن النداء يكون حينئذ و يحرم التأخير عنه …" (2) .

و قال ابن قدامة في الرد علي قول مالك أيضًا:"… و أما قول مالك فمخالف للآثار ، لأن الجمعة يُستحب فعلها عند الزوال ، و كان النبي صلى الله عليه و سلم يبكر بها ، و متى خرج الإمام طويت الصحف ، فلم يُكتب من أتى الجمعة بعد ذلك ، فأي فضيلة لهذا ؟ ! …. (3) "

و قال ابن القيم في الرد علي أدلة مالك و من وافقه:

"قلت: و مدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور (4) :"

إحداها: على لفظة الرواح ، و أنها لا تكون إلا بعد الزوال .

و الثاني: لفظة التهجير ، و هي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر .

و الثالث: عمل أهل المدينة ، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار .

فأما لفظة الرواح ، فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال ، و هذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغدو ، كقوله تعالى: ( غدوها شهر و رواحها شهر ) ، و قوله صلى الله عليه و سلم:"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح"… (1)

و قد يطلق الرواح بمعنى الذهاب و المضي ، و هذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو .

و قال الأزهري في التهذيب: سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت ، يقال: راح القوم: إذا ساروا ، و غدوا كذلك … و من ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة ، و هو بمعنى المضي إلي الجمعة و الخفة إليها ، لا بمعنى الرواح بالعشي .

و أما لفظ التهجير و المهجَّر ، فمن الهجير و الهاجرة ، قال الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر ، تقول منه: هجَّر النهار … و يقال أتينا أهلنا مهجَّرين ، أي في وقت الهاجرة و التهجير ، و التهجُّر: السير في الهاجرة ، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة .

قال آخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح ، فإنه يطلق و يراد به التبكير .

قال الأزهري في التهذيب: روى مالك عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه" (2) .

و في حديث آخر مرفوع:"المهجَّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت