قال ابن قدامة في المغني:"و يستحب أن يكون عليه السكينة و الوقار في حال مشيه ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم:"إذا سمعتم الإقامة فامشوا و عليكم السكينة و الوقار ، و لا تُسرعوا" (5) و لأن الماشي إلي الصلاة في صلاة ، و لا يشبك بين أصابعه ، و يقارب بين خطاه ، لتكون أكثر لحسناته ، و قد روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه خرج مع زيد بن ثابت إلي الصلاة ، فقارب بين خطاه ، ثم قال:"إنما فعلتُ لتكثر خطانا في طلب الصلاة" (6) " (7) .
قال النووي في شرح المهذب:"… و اتفقت نصوص الشافعي و الأصحاب علي أن السنة أن يمشي إلي الجمعة بسكينة و وقار ، و به قال جمهور العلماء من الصحابة و التابعين و من بعدهم … و أما قول الله تعالى: ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله ) فمعناه: اذهبوا و امضوا لأن السعي يطلق علي الذهاب و علي العدو ،فبينت السنة المراد به" (1) .
و قد بوب البخاري في صحيحه باب المشي إلي الجمعة و قول الله جل ذكره ( فاسعوا إلي ذكر الله ) … و أورد حديث"لا تأتوها و أنتم تسعون" (2) . قال الحافظ:"إِشارة منه إلى أن السعي المأمور به في الآية غير السعي المنهي عنه في الحديث ، و الحجة فيه أن السعي في الآية فسر بالمضي ، و السعي في الحديث فسر بالعَدو لمقابلته بالمشي حيث قال:"لا تأتوها تسعون و ائتوها تمشون"" (3)
قال ابن قدامة في المغني:"و روينا عن بعض الصحابة أنه مشى إلي الجمعة حافيًا فقيل له في ذلك ، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"من اغبرت قدماه في سبيل الله ، حرمها الله علي النار"" (4) (5) .
فائدة:
قال علماء التفسير: في التعبير بقوله: ( فاسعوا إلي ذكر الله … ) لطيفة، و هي أنه ينبغي للمؤمن أن يقوم إلي صلاة الجمعة بجد و نشاط و عزيمة و همة …
قال الحسن:"و الله ما هو سعي الأقدام ، و لقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا و عليهم السكينة و الوقار ، و لكن بالقلوب و النية و الخشوع . و قال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك و عملك (6) ."
عدم تخطي الرقاب:
و ذلك لقوله صلى الله عليه و سلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة:"اجلس فقد آذيت و آنيت" (1) .
و اختلف العلماء في حكم التخطي على أقوال:
الأول: الكراهة إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي ، فلا يكره حينئذ .
و هو مذهب الشافعية (2) و رواية عن أحمد (3) ، و به قال الأوزاعي و آخرون .
قال أحمد: يدخل الرجل ما استطاع ، و لا يدع بين يديه موضعًا فارغًا ، فإن جهل فترك بين يديه خاليًا فليتخطَّ الذي يأتي بعده ، و يتجاوز إلى الموضع الخالي ، فإنه لا حرمة لمن ترك بين يديه خاليًا ، و قعد في غيره .
و قال الأوزاعي: يتخطاهم إلى السعة ، و قال قتادة: يتخطاهم إلى مصلاه .
و قال الحسن: تخطوا رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد ، فإنه لا حرمة لهم (4) .
الثاني: الكراهة مطلقًا .
حكاه ابن المنذر عن سلمان الفارسي و أبي هريرة و سعيد بن المسيب و عطاء .
و روي عن أحمد: إن كان يتخطى الواحد و الاثنين فلا بأس لأنه يسير فعفي عنه ، و إن كثر كرهناه (5) . و حمل ابن قدامة هذه الرواية في حق من لم يفرطوا ، و إنما جلسوا في أماكنهم لامتلاء ما بين أيديهم ، لكن فيه سعة يمكن الجلوس فيه لازدحامهم (*) .
قال ابن عثيمين: و لكن الذي أرى أنه لا يتخطى حتى و لو إلى فرجة ، لأن العلة و هي الأذية موجودة ، و كونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب ، مثل أن تكون الفرجة في أول الأمر ليست واسعة ثم مع التزحزح اتسعت فحينئذ لا يكون منهم تفريط ، فالأولى الأخذ بالعموم و هو ألا يتخطى إلى فرجة (6) .
الثالث: الكراهة إذا جلس الإمام على المنبر ، و لا بأس قبله، و هو قول مالك .
الرابع: التحريم ،و هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه (1) . و اختاره ابن المنذر و قال: لأن الأذى يحرم قليله ، يحرم كثيره ، و هذا أذى كما جاء في الحديث الصحيح … (2) .
و قال ابن عثيمين: و الصحيح أن تخطي الرقاب حرام في الخطبة و غيرها ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم لرجل رآه يتخطى رقاب الناس:"اجلس فقد آذيت" (3)
و أما الإمام فلا يكره له التخطي إذا لم يجد طريقًا ، لأنه موضع حاجة (4) .فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بلا تخط فإنه كغيره في التخطي ، لأن العلة واحدة (5) .
و يلحق بالإمام في انتفاء الكراهة في التخطي من عرضت له حاجة فخرج لها ثم رجع، لأنه قاصد للوصول لحقه ، و إنما الحرج على من تأخر عن المجيء ثم جاء فتخطى (6) .
و كذا إذا لم يمكن الصلاة إلا بالدخول و تخطيهم جاز ، لأنه موضع حاجة (7) .