وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك ويروون في ذلك أحاديث وآثارا, ويقولون: إن بعض ذلك صحيح، فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل المعرفة بحقائق الأمور، وقد قال حرب الكرماني في مسائله: سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: (( من وسع على أهله يوم عاشوراء ) )فلم يره شيئا. وأعلى ما عندهم أثر يروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه أنه قال: بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، قال سفيان بن عيينة: جربناه منذ ستين عاما فوجدناه صحيحا، وإبراهيم بن محمد كان من أهل الكوفة, ولم يذكر ممن سمع هذا ولا عمن بلغه, فلعل الذي قال هذا من أهل البدع الذين يبغضون عليا وأصحابه، ويريدون أن يقابلوا الرافضة بالكذب مقابلة الفاسد بالفاسد والبدعة بالبدعة.
وأما قول ابن عيينة فإنه لا حجة فيه, فإن الله سبحانه أنعم عليه برزقه, وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء, وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه. وهذا كما أن كثيرا من الناس ينذرون نذرا لحاجة يطلبها, فيقضي الله حاجته, فيظن أن النذر كان السبب, وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر, وقال: (( إنه لا يأتي بخير, وإنما يستخرج به من البخيل ) )، فمن ظن أن حاجته إنما قضيت بالنذر فقد كذب على الله ورسوله...
وقد اتفق أهل المعرفة والتحقيق أن الرجل لو طار في الهواء, أو مشى على الماء, لم يتبع إلا أن يكون موافقا لأمر الله ورسوله, ومن رأى من رجل مكاشفة أو تأثيرا فاتبعه في خلاف الكتاب والسنة كان من جنس أتباع الدجال...
ودين الإسلام مبني على أصلين: على أن لا نعبد إلا الله, وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} [الكهف:110] ، فالعمل الصالح ما أحبه الله ورسوله, وهو المشروع المسنون, ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا, ولا تجعل لأحد فيه شيئا) " ( [5] ) ."
وقال ابن القيم:"أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء والتزين والتوسعة والصلاة فيه وغير ذلك من فضائل لا يصح منها شيء، ولا حديث واحد، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء غير أحاديث صيامه، وما عداها فباطل."
وأمثل ما فيها: (( من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ) )، قال الإمام أحمد: لا يصح هذا الحديث.
وأما أحاديث الاكتحال والادهان والتطيب فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان على السنة، وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع" ( [6] ) ."
3-تخصيصه بإخراج الزكاة فيه:
قال ابن الحاج رحمه الله:"ثم إنهم يضمون إلى ذلك بدعة أو محرما، وذلك أنه يجب على بعضهم الزكاة مثلا في شهر صفر أو ربيع أو غيرهما من شهور السنة، فيؤخرون إعطاء ما وجب عليهم إلى يوم عاشوراء، وفيه من التغرير بمال الصدقة ما فيه، فقد يموت في أثناء السنة أو يفلس، فيبقى ذلك في ذمته، وأقبح ما فيه أن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه شهد فيه بأنه ظالم بقوله عليه الصلاة والسلام: (( مطل الغني ظلم ) )، وفيه بدعة أخرى وهو أن الشارع صلوات الله عليه وسلامه حدَّ للزكاة حولا كاملا وهو اثنا عشر شهرا، وفي فعلهم المذكور زيادة على الحول بحسب ما جاءهم يوم عاشوراء، فقد يكون كثيرا وقد يكون قليلا، وعند بعض من ذُكر نقيض ذلك، وهو أن يخرج الزكاة قبل وقتها لأجل يوم عاشوراء، فيكون ذلك قرضا منه للمساكين، ومذهب مالك رحمه الله أن ذلك لا يجزيه كما لو أحرم بصلاة الفرض قبل وقتها فإنه لا يجزيه عند الجميع، فكذلك فيما نحن بسبيله، وعند الشافعي رحمه الله يجزيه بشرط أن يكون دافع الزكاة وآخذها باقيين على وصفيهما من الحياة والجدة والفقر حتى يتم حول ذلك المال المزكى عنه، وفي هذا من التغرير بمال الصدقة كالأول" ( [7] ) .
4-زيارة القبور فيه:
قال ابن الحاج:"ومما أحدثوه فيه من البدع زيارة القبور، ونفس زيارة القبور في هذا اليوم المعلوم بدعة مطلقا للرجال والنساء" ( [8] ) .
5-من بدع النساء في هذا اليوم:
قال ابن الحاج:"ومن البدع التي أحدثها النساء فيه استعمال الحناء على كل حال، فمن لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق عاشوراء."
ومن البدع أيضا محرهن ( [9] ) فيه الكتان وتسريحه وغزله وتبييضه في ذلك اليوم بعينه، ويشلنه ليخِطن به الكفن، ويزعمن أن منكرا ونكيرا لا يأتيان من كفنُه مخيطٌ بذلك الغزل، وهذا فيه من الافتراء والتحكم في دين الله ما هو ظاهر بيِّن لكل من سمعه، فكيف بمن رآه؟!