فهرس الكتاب

الصفحة 5593 من 9994

وطائفة ناصبة تبغض عليًا وأصحابه لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى... وكان في الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن وقتال، فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية, وأكرم الله الحسين بالشهادة, كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته، أكرم بها حمزة وجعفر وأباه عليا وغيرهم, وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته, وأعلى درجته, فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة, والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء... فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق من المنزلة العالية, ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب, فإنهما ولدا في عز الإسلام, وتربيا في عز وكرامة, والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما, ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا سن التمييز, فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقهما بأهل بيتهما, كما ابتلي من كان أفضل منهما, فإن علي بن أبي طالب أفضل منهما وقد قتل شهيدا.

وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس، كما كان مقتل عثمان رضي الله عنه من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس, وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم، ولهذا جاء في الحديث: (( ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي , وقتل خليفة مصطبر، والدجال ) ).

وكان ما كان, إلى أن ظهرت الحرورية المارقة, مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم, فقاتلوا أمير المؤمنين عليا ومن معه, فقتلهم بأمر الله ورسوله... فكانت هذه الحرورية هي المارقة, وكان بين المؤمنين فرقة, والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان... ثم إن عبد الرحمن بن ملجم من هؤلاء المارقين, قتل أمير المؤمنين عليا فصار إلى كرامة الله ورضوانه شهيدا, وبايع الصحابة للحسن ابنه, فظهرت فضيلته التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حيث قال: (( إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) )، فنزل عن الولاية وأصلح الله به بين الطائفتين, وكان هذا مما مدحه به النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه, ودل ذلك على أن الإصلاح بينهما مما يحبه الله ورسوله، ويحمده الله ورسوله، ثم إنه مات وصار إلى كرامة الله ورضوانه, وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر, ولم يكونوا من أهل ذلك, بل لما أرسل إليهم ابن عمه أخلفوا وعده, ونقضوا عهده, وأعانوا عليه من وعدوه أن يدفعوه عنه, ويقاتلوه معه. وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم, ولا يقبل منهم, ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحة, ولا يترتب عليه ما يسر, وكان الأمر كما قالوا, وكان أمر الله قدرا مقدورا.

فلما خرج الحسين رضي الله عنه، ورأى أن الأمور قد تغيرت, طلب منهم أن يدعوه يرجع, أو يلحق ببعض الثغور, أو يلحق بابن عمه يزيد, فمنعوه هذا وهذا حتى يستأسر, وقاتلوه فقاتلهم، فقتلوه وطائفة ممن معه مظلوما شهيدا شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه.

وأوجب ذلك شرًا بين الناس، فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة, وإما ضالة غاوية, تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة, وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود, وشق الجيوب, والتعزي بعزاء الجاهلية... فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته, وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد, والكذب بالكذب, والشر بالشر, والبدعة بالبدعة, فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم, فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح.

وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة, وإن كان أولئك أسوأ قصدا، وأعظم جهلا, وأظهر ظلما, لكن الله أمر بالعدل والإحسان...

ولم يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه الأمور, لا شعائر الحزن والترح, ولا شعائر السرور والفرح.

وأما سائر الأمور مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة, إما حبوب وإما غير حبوب, أو تجديد لباس وتوسيع نفقة, أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم, أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به, أو قصد الذبح, أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب, أو الاكتحال والاختضاب, أو الاغتسال أو التصافح, أو التزاور أو زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك, فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون, ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، لا مالك ولا الثوري ولا الليث بن سعد ولا أبو حنيفة ولا الأوزاعي ولا الشافعي ولا أحمد بن حنبل ولا إسحاق بن راهويه ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين وعلماء المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت