وكلنا يعلم كذلك الدوائر المهمة التي نحتاج أن ننتبه لها، لعل قائلا يقول: مالك جئتنا بهذا الموضوع ولم تعظمه علينا وتجعله كعبء وحمل ثقيل بل كجبال عظيمة فوق رؤوسنا أقول هذا سؤال تعرفون جوابه، فإننا نرى المنكر يجوس خلال الديار، ويدخل إلى عقر بيوتنا، ويشيع بيننا، وفي هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين التي لها كرامة عظيمة بما فيها من هذين البيتين العظيمين والمدينتين المقدستين وما فيها من دستور ونظام حكم يدل في كل حرف من حروفه وكلمة من كلماته على الاستمساك بالشرع والكتاب والسنة، وتنص أنظمتها كلها من حيث دلالتها وصياغتها على التزام الإسلام وعدم ارتكاب ما يخالفه، نرى في الواقع صورا كثيرة تزداد دوائرها وتتسع وتتنوع صورها، وقد آلمني الكثير والكثير مما يرى ثم يزداد ثم يتعاظم، ثم يتكرر ثم يستسلم الناس له، ولا يرون بأسا به، ولا يرون قدرة على إنكاره وكأنه أمر لا مفر منه، وكأنه شيء قد عذر الناس بتركه وترك الأمر والنهي عنه .
جد ذلك لي مجلة جديدة عجيبة غريبة أن تصدر من ديارنا ولا أقول هذا إثارة وتعلمون أني لا أحب ولا أجيد هذا الفن، ولا أقوله تهجما على من وراءها أو من يقوم بها، ولكنها مهمة وواجب الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، مجلة كل صورها على غلافها نساء كاشفات الشعر مزينات الوجوه بالألوان المختلفة وعنوانها الرئيس الموجود على صفحة غلافها [ النساء يغتصبن الرجال] ، وداخل العدد، أبحث عما يقولونه عن عقل المرأة وفكرها ودورها وقدرتها على القيادة وغير ذلك مما يرددونه صباح مساء، فلا أرى إلا موضوعات سخيفة وبعض القضايا التي فيها كثير وكثير من التهجم على مجتمع هذه البلاد، والتهجم ضمنا قد يكون واردا، أو يفهم عند من قد يفهمه أنه يشتمل على ما يقوم به المجتمع من أسس الدين ودعائم الأخلاق وركائز القيم، تصف لنا كاتبة أم فلان، وهي امرأة في بيتها وعندها خادمة وعندها تسعة من الأبناء وعندها وعندها وعندها، وتصور تصويرا قبيحا لبيت كأنه من بيوتنا وترى أن كثرة الأبناء وأن بعض الصور كلها من الأمور المذمومة المرذولة .
أقول ألا يصدق ألا يصح ألا يسهل على كل أحد منا أن يكتب كلمات ويرسلها إلى أولئك، علّ الله عز وجل أن يشرح بها صدورهم علهم وكلهم من أهل الإسلام وفيهم بذرة الخير، علهم يرجعون إلى أنفسهم فيحاسبونها علنا على أقل تقدير نقيم حجتنا ونبرئ ذمتنا، وليس في هذا الباب فحسب بل الأبواب كثيرة، وقد اتسع الخرق على الراقع .. نسأل الله السلامة.
نسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ علينا ديننا وإسلامنا وأخلاقنا وقيمنا وأن لا يؤاخذنا بفعل السفهاء منا إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد معاشر الأخوة المؤمنون:
وأعملوا أن من أعظم دلائل التقوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولنفسي ولكم أبعث هذه الرسائل الثلاث حتى لا تظنوا أن الأمر ليس متعلقا بنا وأن المهمة ليست مرتبطة بأعناقنا بل أزيد الأمر عبئا على عبء وثقلا على ثقل، عل ذلك يدفعنا جميعا إلى أن نسعى إلى إبراء ذمتنا وعتق رقابنا والقيام بواجبنا .
احذر الأعذار، الكثيرة هي الأعذار التي يمكن أن نقولها لنبرر لأنفسنا ترك هذه الشعيرة العظيمة، ما عسى أن ينفع قولي وما فائدة كتابتي، وما الأمر الذي يمكن أن يحصل لو قلت أو سكت، كلاهما سيان، ليس الأمر كذلك، لا تعذر بهذه الأعذار، لأن الله عز وجل قد بين لنا ذلك، فقال في شأن قصة أهل القرية وحيل أصحاب السبت { قالوا لم تعظون قوما الله مهلكم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم ينتهون}
لا تدري رُبَّ كلمة تقع موقعا من قلب مرتكب لمعصية ومقترف لإثم فيتذكر بها ويتعظ ويرجع، قال النووي رحمه الله:"قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين والذي عليه الأمر والنهي لا القبول، قال الله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ} ".
وثانية أرسلها وأحذر منها، مداهنة الأشرار، كم نبتسم في وجوه الناس الذين يرتكبون المنكرات وقد يكون ذلك حال ارتكابهم لها، وإن كنا مصدرين في الناس أو مسموعي الكلمة، فإن ذلك تلبيس للحق بالباطل، كيف أرى مع من يرتكب المنكر حال ارتكابه، دون أن يسمع قول في الإنكار ولا فعل بهذا الإنكار، ولا مقاطعة على أقل تقدير لهذا المنكر، إنه أمر غير مقبول بحال، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } .
قال القرطبي:"دل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا صدر منهم منكر لأن من لم يحدث منه ذلك فقد رضي فعلهم"