وذلك أمر واضح ذكره العلماء وبينوه، قال ابن العربي رحمه الله في هذا المعنى:"الذنوب منها ما يعجل الله عقوبته، ومنها ما يمهل الله به إلى الآخرة، والسكوت عن المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل من الظلمة للخلق".
وقال بلال بن سعد رحمه الله:"إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة"
وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال:"إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة لكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا كلهم العقوبة".
هل نمضي ونزيد ؟!
أحسب في هذا كفاية لندرك عظمة هذا الأمر، هو قطب الرحى هو صمام الأمان، هو سمت العبودية والإيمان، هو مناط الخيرية والتقدم، هو الذي به يكون لنا تقويم كل اعوجاج وتصويب كل خطأ واستدراك كل نقص، به نضيق دائرة الفساد ونردم منابعها، به نجعل القلوب حية مشرقة مفرقة بين الحق والباطل، يبقى لها ذلك السمت الإيماني الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه يوم قال له سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: ( استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) .
وبين له الإثم فقال: ( الإثم ما حك في القلب وتردد في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس )
أين هذه القلوب التي تشمئز وتنفر وتضيق وتتبرم بالمنكر إذا رأته أو سمعت عنه، هل هي صاحبة الفرقان المذكور في قول الحق جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم } .
يجعل في قلوبكم من الإيمان وشفافيته ونورانيته ما تميزون به بين الحق والباطل والخير والشر، وإن لم يكن لكم عندكم فيه برهان أو دليل واضح أو علم سابق ؛ لأن النفس المؤمنة والقلب المشرق بالإيمان ينفر بطبعه بما وقر فيه من كل معصية ومنكر، يضيق الصدر إذا فقد بعض الناس أموالهم كما أسلفنا في الأسهم، تنزل الدمعة من أعين الناس إذا فقدوا حبيبا أو قريبا أو حلت بهم نكبة، يعظم الهم ويتعاظم الغم إذا حصل كذا وكذا، فأين مثل هذا أو شبهه إذا وقعت المنكرات وعمت ولم تجد لسانا بالمنكر ناطقا، ولا يدا له كاتبة أو مانعة، أين هذا من قلوبنا ونفوسنا، أليس ذلك جديرا بأن نقف عنده وقفات، وإن ملأنا المساجد بالصلوات، وإن أكثرنا من الصيام والتلاوات والدعوات ؛ فإن دين الله عز وجل شامل كامل، وإن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن من وقر الإيمان في قلبه وتحقق بالعبادة في حياته لا يملك إلا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يستقيم له حال لا يطمئن له قلب، لا يلين له جنب إلى أن يرى الحق ظاهرا والمنكر متواريا، فإذا تغير الأمر كان الحال على غير الحال، كلنا يدرك هذا المعنى وكلنا مخاطب به وأول من يخاطب به ولاة أمورنا من حكامنا وعلمائنا، وإن كان ذلك لا يعفي آحادنا من المسئولية بأي حال من الأحوال.
يقول الحق سبحانه وتعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون }
قال الضحاك رحمه الله في هذه الآية:"ما في القرآن آية أخوف عندي منها أننا لا ننهى"
{لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون}
قال: إنها تخيفني، أولئك أحبار وربانيون وفي أمتنا علماء وأهل علم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم مسؤولية عظيمة .
نقل ابن جرير في تفسيره قوله بعدما ساق من أقوال السلف في هذه الآية قال:
"وكان العلماء يقولون ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها"
فإلى علمائنا وإلى دعاتنا نبض قلوبنا ونظرة عيوننا، وتعلق أبصارنا بدوركم بقولكم بوقفاتكم بإحقاقكم للحق، بإعلائكم رايته، بثباتكم على الحق والمبدأ، باستنصاركم بالله وعزتكم به وعدم خوفكم من الباطل وأهله مهما كانت سطوتهم وقوتهم.
وإلينا جميعا كذلك، فإن النصوص الشرعية تخاطبنا فردا فردا، هل نريد بالعبادات والطاعات أجرا وتكثيرا لحسناتنا ونريد تكفيرا لسيئاتنا ذلكم كذلك في هذه الشعيرة العظيمة ( من دل على خير فله أجره وأجر من عمله إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ) .
(لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم) .
ثم في المقابل في التكفير يأتي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: ( فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .