فهرس الكتاب

الصفحة 5454 من 9994

فهل نفقه أيضا أن سر خيريتنا وتشريفنا وتفضيلنا وتقديمنا مربطه وأساسه وقطب رحاه هو هذه الشعيرة، ومتى فقدناها فقدنا من الخيرية بقدر ما نفقد منها أو نفرط فيها.

وهل نكاد اليوم نضع الأصبع على الداء ونكشف بالنور موضع الخلل، فندرك أن كثيرا مما أصابنا من هواننا وضعفنا وخلافنا وفرقتنا سببه تفريطنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ثالثا: سمة الإيمان

شعيرة تفرق بين الإيمان والنفاق جدير أن يعض عليها المؤمن بالنواجذ ، وأن يقبض عليها بكلتا يديه ولو كانت كجمر متقد ؛ لئلا يخرج من سمة الإيمان إلى وصف النفاق والعياذ بالله، الله جل وعلا يقول: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}

تلك سمتهم بصيغة المضارع الدال على الاستمرار، ولاء يقتضي ذلك الأمر والنهي، يقتضي النصح والتقويم والتكميل، وفي جهة مقابلة: {والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف}

كم نرى من صورة لهذا في واقع أمتنا، كم نرى به من لسان ناطق، كم نرى فيه من مشهد حي عبر القنوات، وصور فاتنة آثمة على الصفحات، كم نرى له من رواج قد غضت عنه العيون فكأنها لا ترى، وخرست عن إنكاره الألسن فكأنها لا تنطق، وربما لم تشمئز منه القلوب ولم تنقبض منه النفوس، فكأنما قد غاب عنها هذا الشعور حتى في داخلها، في سويداء قلوبها وأعماق نفوسها .

تأمل هذا وتأمل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن درة بنت أبي لهب قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقام رجل فقال: يا رسول الله من خير الناس، قال: ( خير الناس أتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنكرهم للمنكر وأوصلهم للرحم ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

قال البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان:"إن الله جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرق ما بين المؤمنين والمنافقين -ثم قال رحمه الله- وثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقيدتهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

والبرهان الصادق على الإيمان الراسخ واليقين العظيم، والإيمان الصادق الدال على الغيرة والحمية الإيمانية، هو الكاشف عن حقيقة ما يستقر في النفس والقلب من حب الله وحب أوامره وبغض من يبغض الله أو يعاديه أو يعادي أوليائه وأحبابه ودعاته، تلك هي السمة الفارقة، فهل نزن أنفسنا، وهل نعرف المعيار الذي قد نخرج به والعياذ بالله من سمة الإيمان إلى وصف النفاق.

رابعاً: أمر مهم ضابط الصلاح والأمان

إنه لا سلامة للمجتمعات ولا استقامة لها، ولا دوام لحسن وصلاح أحوالها إلا بهذه الشعيرة {فلولا كان من القرون من قبلكم أول بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم}

آية عظيمة تخبرنا عن سر وسبب الفساد والانحلال الذي جرى عبر القرون المتتابعة كيف انحلت واضمحلت الديانة؟ كيف ضعفت أنوار النبوة عبر التاريخ رسولا إثر رسول وأمة إثر أمة؟

{فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض}

لو كان في كل أمة بقية صالحة مصلحة لا تكتفي بصلاح نفسها وعبادة ربها بل تتجاوز ذلك إلى إصلاح غيرها أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر لكان الحال على غير الحال، ولكان الخير أوسع دائرة والصلاح أظهر وضوحا مما هو الأمر عليه.

وجاء الاستثناء للبقية {إلا قليلاً ممن أنجينا منهم} تلك القلة التي تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصرف الله بها ما شاء من البلاء، ويكون لها ذلك السبب السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة بإذن الله عز وجل .

قال السعدي في تفسير هذه الاية:"في هذا حث للأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون بدين الله يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويبصرونهم من العمى، وهذه الحالة أفضل حالة يرغب فيها الراغبون وصاحبها يكون إماما في الدين إذا جعل عمله خالصا لرب العالمين"

أتدرون ما شر انتشار أو كثرة الفساد، ألسنا نشكو اليوم أكثر شكوى مما كنا نشكو منه بالأمس، أتسمعون الحديث الصحيح المتفق عليه من قول أم المؤمنين تسأل المصطفى صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون ؟! فأجاب بلسان النبوة الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، قال: ( نعم، إذا كثر الخبث)

وكلنا أو معظمنا يحفظ حديث السفينة، قوم في أعلاها وقوم في أسفلها، إن تركوا من في الأسفل يخرق غرقوا وهلكوا وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على يده نجوا ونجوا جميعا، ليس ثمة تصوير أبلغ من أثر ترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ومآله الوخيم وعاقبته الجسيمة وضرره العميم من مثل هذا الحديث النبوي العظيم.

وروى الإمام أحمد والطحاوي بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت