فهرس الكتاب

الصفحة 5285 من 9994

{مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أي الجزاء والحساب على الأعمال، وقد بينه الله في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} سورة الانفطار: 17-19)، أي في يوم الحساب والجزاء لا ينفع أحد أحداً بحسنة؛ لأن كل واحد يقول يومئذ (نفسي نفسي) فهو يوم عظيم، ولهذا جاء في الآية الأخرى قوله -تعالى-: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (سورة غافر: 16) ، وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: (( يأخذ الجبار سماواته وأرضيه بيده- وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها- ثم يقول"أنا الجبار، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون") )؟ قال: ويتمايل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ! )) رواه مسلم.. وكلمة الدين تطلق على الطاعة كقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (سورة آل عمران: 19) ، وتطلق على الجزاء كما هي هنا..

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} في هذه الآية بيان معنى (لا إله إلا الله) وذلك في قوله: (إياك نعبد) فإن تقديم المعمول (إياك) على العامل (نعبد) يدل على الحصر والقصر، وهذا ما تقرر في علم الأصول والمعاني. فالله -تعالى- حصر العبادة وجعلها مختصة به؛ لأنه خالق الخلق ومليكهم والمتصرف فيهم، فكان هو المستحق للطاعة والخضوع.

فمعنى (لا إله إلا الله) ... مركب من أمرين: نفي وإثبات، فالنفي: خلع جميع المعبودات غير الله -تعالى- في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع، وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو (إياك) الذي يفيد الحصر، وأشار إلى الإثبات منها بقوله (نعبد) وقد بين معناها المشار إليه ههنا مفصلاً في آيات أخر كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} ( البقرة: 21) وصرح بالنفي في آخر الآيات: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} وكقوله: {أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} (سورة النحل: 36) ، فصرح بالإثبات بقوله: (اعبدوا الله) وبالنفي بقوله: (واجتنبوا الطاغوت) وكقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} (سورة البقرة: 256) ، فالنفي (يكفر بالطاغوت) والإثبات (ويؤمن بالله) 4 وآيات كثيرة أخرى.

وقوله (وإياك نستعين) أي نطلب منك - يا الله- العون على طاعتك، وعلى أمورنا كلها، ولا نطلبه من أحد سواك، لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة.

تعليل: إنما قدم الله -تعالى- قوله (إياك نعبد) على (إياك نستعين) لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والأصل أن يقدم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم.5

وقال الشنقيطي -رحمه الله-: وإتيانه بقوله: (وإياك نستعين) بعد قوله: (إياك نعبد) فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر، وهذا المعنى المشار إليه ههنا جاء مبيناً واضحاً في آيات أخر كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} (123) سورة هود الآية، وقوله: (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت..) الآية. وقوله: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً) وقوله: (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) إلى غير ذلك من الآيات.6

وقوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} أي أرشدنا ووفقنا إلى الطريق الحق الواضح المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج ولا انحراف..

اختلف العلماء في المراد بـ (الصراط المستقيم) مع أن أقوالهم كلها ترجع إلى أنه طاعة الله ورسوله، لكن نذكر ذلك للفائدة:

1.أنه كتاب الله: ذكر عن علي بن أبي طالب، وورد فيه حديث مرفوع فيه الحارث الأعور وهو ضعيف.

2.الإسلام: قول ابن عباس وجابر وروي عن ابن مسعود أيضاً، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

3.أنه الحق: قول مجاهد.. وهو شامل ولا منافاة بينه وبين ما سبق.

4.النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحباه من بعده، قاله أبو العالية والحسن البصري.

قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً.7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت