وقد ورد حديث عظيم، إسناده حسن صحيح كما قال ابن كثير -رحمه الله- عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيها أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً، ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم) رواه أحمد وابن أبي حاتم والترمذي والنسائي،وقال ابن كثير: حسن صحيح.
قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} أي اهدنا يا رب صراط من أنعمت عليهم بالإيمان والقرب منك والتوفيق لطاعتك ومرضاتك، وقد بين الله في سورة النساء من هؤلاء المنعم عليهم فقال -عز وجل-: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (سورة النساء: 69) .
وقوله: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قال جماهير علماء التفسير: إن المقصود بـ (المغضوب عليهم) اليهود و (الضالين) النصارى.. لأن اليهود علموا الحق ولم يعلموا به فغضب الله عليهم، والنصارى عبدوا الله على جهل فضلوا عن الحق. وقد جاء الخبر بذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عدي بن حاتم..
قال الشنقيطي: واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعاً مغضوباً عليهم جميعاً، فإن الغضب إنما خص به اليهود وإن شاركهم النصارى فيه؛ لأنهم يعرفون الحق وينكرونه، ويأتون الباطل عمداً؛ فكان الغضب أخص صفاتهم، والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم، وعلى هذا فقد بين أن المغضوب عليهم، اليهود قوله فيهم ( {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ} (سورة آل عمران: 112) , وقوله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} (سورة المائدة: 60) ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا} (سورة الأعراف: 152) ، وقد بين أن الضالين النصارى قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (سورة المائدة: 77) 8. والمقصود: أن الله يرشد المؤمنين إلى هذا الدعاء العظيم، بالهداية إلى طريق الحق الذي سلكه أولئك الأخيار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وسؤال الله أن يجنبهم طريق اليهود الذين علموا ولم يعملوا فاستحقوا غضب الله، وطريق النصارى الذين عبدوا الله على جهل وضلال فاستحقوا الضلال عن الحق، وعلى هذا فمن علم ولم يعمل ففيه شبه باليهود، ومن عبد الله على جهل ففيه شبه بالنصارى، والخروج من هذا المأزق الكبير هو حل سهل وبسيط: أن نعلم ونتعلم وأن نعمل بعلمنا.. نسأل الله التوفيق...
فوائد من الفاتحة:
وبعد الكلام عن معاني آيات هذه السورة نذكر بعض الفوائد المتعلقة بها:
1.حمد الله وشكره في كل حال وحين، وهذه السورة يكررها العبد في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، إلى جانب السنن.. مما يدل على أهمية ما فيها، ومنه حمد الله وشكره وسؤاله الهداية والعون على الحياة كلها.
2.بيان معنى لا إله إلا الله، وأنه نفي لكل ما يعبد من دون الله، وإثبات العبودية لله، وذلك واضح من الحصر في قوله (إياك نعبد) .
3.لا تجوز الاستعانة والاستغاثة إلا بالله الواحد الأحد، وإذا استغاث الإنسان أو استعان بإخوانه الأحياء، فيما يقدرون عليه مما هو معقول وواقع، فإن ذلك من قبيل قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (سورة المائدة: 2) ، وقوله عن موسى عليه السلام: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} (سورة القصص: 15) ، وذلك في حدود الطاقة البشرية، أما أن يستعان أو يستغاث بالأموات أو بالقبور والأحجار، أو الجن أو الملائكة، فيما يخرج عن هذا، وكذا الاستغاثة بالغائب من البشر، فهذا من الشرك الصراح.