4. (الكافية) سماها بذلك يحيى بن أبي كثير؛ لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة: (أم القرآن عوض عن غيرها، وليس من غيرها عوض عنها) .
5. (الكنز) . ذكره الزمجشري
الشروع في ذكر معاني كلمات الفاتحة جملةً وتفصيلاً:
قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) لا نتوسع في ذكر الخلاف بين علماء المسلمين سلفاً وخلفاً في ذكر: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ وهل هي آية من كل سورة أم لا؟! بعد اتفاقهم على أنها بعض آية في سورة النمل في قوله -تعالى-: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (سورة النمل: 30) ، ونحن نذكرها على اعتبار أنها آية من هذه السورة.
فقوله: (بسم) الباء حرف جر و (اسم) اسم مجرور، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وتحذف الألف في البسملة: إذا كتبت كاملة، وأما إذا لم تكتب كاملة فلا تحذف تقول (باسم الله) والجار والمجرور لا بد له من متعلق، وقد قدر العلماء هذا المتعلق اسماً وبعضهم جعله فعلاً.. وهو مقدر بحسب المقام، ففي السورة هنا نقدره (أقرأ أو قراءتي باسم الله) . وعند دخول البيت يقدر (دخولي أو أدخل باسم) وهكذا.. وهو لا ينطق به، وفي هذا دليل واضح على فصاحة وبلاغة كلام الله من أول كلمة نبدأ بها؛ لأن كل مقام يستحب فيه ذكر الله، فلهذا قدر المتعلق، ليكون حسب المقام والمقصد.
(الله) علمٌ على الربّ -تبارك وتعالى- يقال إنه الاسم الأعظم؛ ولا يصح، وقد ورد في تعيين الاسم الأعظم غير حديث صحيح، إلا أن هذا الاسم من أجل أسمائه سبحانه إذ تنسب إليه جميع أسمائه وصفانه جل شأنه كما قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} الآيات، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، وهذا الاسم لم يسم به غير الله -تعالى-، ولهذا اختلف في اشتقاقه من فَعَل يفعل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد ليس له اشتقاق، وقيل هو مشتق من أَلَه يأله إلاهةً وتألهاً. وهو أرجح وقد ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} : هما وصفان لله -تعالى- واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمان أشد مبالغة من رحيم، فرحمن: صيغته (فعلان) ورحيم (فعيل) كما تقول رجل كسلان أي بلغ منتهى الكسل و (شبعان) منتهى الشبع، وقولك (كريم) أي منتهى الكرم.. وهكذا..
واختلف العلماء في المراد من جمعهما في محل واحد هنا:
فقيل: (الرحمن) : صفة ذات تدل عليه، والرحيم صفة فعل متعلقة بعباده.
فقيل: (الرحمن) : اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله -تعالى-، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين، ذكر هذا أبو علي الفارسي.
وقيل: هما بمعنى واحد، كندمان ونديم، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام.
وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدها أرق من الآخر، أي أكثر رحمة.
وقيل: الرحمن ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة،2 .
قوله تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية بخلاف الشكر فلا يكون إلا على الصفات المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان.
قال ابن جرير: (الحمد لله) ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: (الحمد لله) .
{رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الشنقيطي: لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ} (سورة الشعراء: 23 -24) ، قال بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة؛ لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفاً بصفات الكمال والجلال قال -تعالى-: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (سورة آل عمران: 190) ، والآية في اللغة: العلامة).3
فرب العالمين أي خالقه ومالكه والمتصرف فيه، فلا يخرج أحد عن مشيئته، وهو القاهر فوق عباده.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قد تقدم بيانهما في تفسير البسملة.