فهرس الكتاب

الصفحة 4935 من 9994

وهذا يدل على أن القرآن يؤثر في النفوس، فإذا كان القرآن يؤثر في نفس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيزداد جوده فينبغي لنا أن نتأسى به، وأن يكون القرآن مؤثراً في أخلاقنا صلاحاً، وفي أعمالنا استقامةً، وفي نشاطنا في الطاعة زيادةً وكثرةً، فإن الإنسان إذا قرأ القرآن وخرج منه بلا نفع ولا زيادة من الخير لم يكن قد حصّل المقصود من قراءة القرآن، فأحسنوا أيها الإخوة وأكثروا من الإحسان، وليس الإحسان ببذل المال فقط، بل الإحسان ينتظم كل طريق من طرق البر، فإذا عجزت عن شيء منه فلا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، عامل الناس بمعاملة حسنة، ابذل الخير للناس، عاونهم فيما يحتاجون إليه من إعانة، وإذا حصل لك ذلك فأبشر فإنك على خير وقد حصلت شيئاً مما كان عليه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الجود وحسن الأخلاق.

فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة، نسأل الله أن نكون منهم.

أيها الإخوة الكرام: إن من أبواب الخير ومن أبواب الطاعة ومما ينبغي لنا أن نشتغل به في هاذا الشهر من العمل الصالح، ما سنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحافظ عليه من اعتكاف العشر الأخير من هاذا الشهر المبارك، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ داوم على هاذه السنة، وحافظ عليها.

ففي الصحيحين من حديث عائشة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده (1) . فاحرصوا على هاذه العبادة التي هي سبب لحصول فضل ليلة القدر، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما اعتكف العشر الأواخر طالباً لليلة القدر، ولذلك كان يجتهد في العشر الأخير من هاذا الشهر ما لا يجتهد في غيره.

والاعتكاف ليس البقاء في المسجد على أي وجه، إنما هو بقاء مخصوص، وهو بقاء يلزم فيه الإنسان المسجد تعبداً لله عز وجل وطاعةً وطلباً لرفعة الدرجات والرفعة في الدار الآخرة، وهذا يعني أن لا يشتغل الإنسان بأي شيء يفوّت عليه هاذه الفضائل، فاشتغال الناس بكثرة الكلام والمخالطة والذهاب والمجيء في المساجد، هاذا مما ينافي مقصود الاعتكاف، ومما لا يحصل به الفضل المرتب عليه، فاحرصوا على أن يكون اعتكافكم اعتكافاً يحصل به المقصود، وهو زكاء الأخلاق والاجتهاد في الطاعة، والتقرب والاستزادة من زاد التقوى.

فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة من ليالي هاذا الشهر، نسأل الله أن نكون منهم.

أيها الإخوة: إن مما ينبغي للمؤمن أن يجتهد فيه وأن يعمل وقته فيه، هو تلك العبادة التي ذكرها الله في ثنايا آيات الصيام، فإن الله جل وعلا ذكر فرضية الصيام بقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ? (2) . ثم بين أحكامها، وفي ثنايا هاذه الأحكام قال الله جل وعلا: ?وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ? (3) . وهذا يدل على أن من خصائص الصيام أن يجتهد الإنسان في الدعاء، فإن ذكر الدعاء في ثنايا آيات الصيام يدل على عظيم شأنه، وأنه من مواطن الإجابة، وقد جاء في ذلك حديث فيه بعض الوهن لكنه يعتضد بمثل هاذه الإشارة التي تضمنتها آيات الصيام، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إن للصائم دعوة لا ترد ) ) (4) . وقد عمل بذلك سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم فكانوا يجتهدون في الدعاء في الفطر، كما ورد ذلك عن ابن عمر وغيره رضي الله عن الجميع.

فاجتهدوا -أيها الإخوة- في الدعاء في هاذا الشهر؛ فإنه قد وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الدعاء في أشرف أوقات هاذا الشهر في ليلة القدر، فسألته عائشة كما في الترمذي وغيره: ما أقول إذا علمت ليلة القدر أو وافقت ليلة القدر؟ قال: (( قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) ) (5)

(1) البخاري: كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في أواخر رمضان والاعتكاف في المساجد كلها. حديث رقم: 2026.

مسلم: كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، حديث رقم: 1172.

(2) سورة: البقرة (183) .

(3) سورة: البقرة (186) .

(4) ابن ماجه: كتاب الصيام، باب ما جاء في الصائم لا ترد دعوته. حديث رقم: (1753) ، قال الشيخ الألباني: ضعيف.

(5) الترمذي: كتاب الدعوات، حديث رقم:3513.

ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، حديث رقم: 3850.

قال الشيخ الألباني: صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت