فهرس الكتاب

الصفحة 4936 من 9994

.فوجهها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى السؤال والدعاء، وهذا يدل على أن الدعاء في هاذا الشهر له من الخاصية ما ليس لغيره، فينبغي للمؤمن أن يجتهد فيه وأن يُعمل نفسه في الاستكثار منه، لا سيما في مواطن الإجابة: كالأسحار، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة والمسنونة.

إن مما يجتهد فيه الإنسان في هاذا الشهر ويعمل أعضاءه وبدنه فيه، رغبة فيما عند الله جل وعلا الاجتهاد في العمرة، إن تيسرت له وتمكن منها، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لإحدى نساء الأنصار تخلفت عنه في حجة الوداع وأبدت عذراً: (( عمرة في رمضان تعدل حجة ) )قال في رواية البخاري: (( تقضي حجة أو حجة معي ) ) (1) . أي تعدل حجة معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينبغي لمن استطاع أن يرحل إلى البيت الحرام في عمرة يحقق بها هاذه السنة فهاذا من الخير وأن لا يفوت ذلك على نفسه.

لكن هل من لوازم العمرة أن يصرف الأموال الطائلة وأن يمضي الأوقات الطويلة في مكة؟ الجواب: لا، إنما يحصل هاذا الفضل بمجرد الفراغ من العمرة من الطواف والسعي والتقصير، ثم بعد ذلك يرجع إلى بلده، وهذا خير من أن يمكث هناك يزحم الناس، وقد لا يحصل له المقصود من سكون القلب وخشوعه لكثرة العالم وكثرة الجائين إلى تلك البقعة المطهرة، البقعة التي اصطفاها الله جل وعلا وجعلها أحب البقاع إليه، فإذا فرغ الإنسان من عمرته، رجع إلى أهله واشتغل بما فيه الخير دون أن يلازم أو يجاور، وإن بقي فالأمر في هاذا واسع؛ لكن ينبغي له أن لا يكون بقاؤه في تلك البقعة وجلوسه في ذلك المكان المبارك سبباً لتضييع الواجبات كالقيام على الأهل والأسرة وما أشبه ذلك، فإن من الناس من يذهب إلى ذلك المكان الطاهر، ويغفل عن ما أوجبه الله عليه من صيانة الأولاد والقيام بحقهم ورعايتهم؛ بل بعضهم قد يصطحب أولاده ويضيعهم في ذلك المكان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم البر والتقوى.

أيها الإخوة الكرام: هاذه بعض اللمحات عن بعض الأعمال التي تكون في ذلك الموسم الكريم، فطوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وكان بحبل الله معتصماً.

أيها الإخوة: إنني أنبهكم إلى أنه لا مكان لتريث ولا لتأخير في المسارعة إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فالليل والنهار مطيتان تحثان السير إلى المنايا والآجال، وقد قال الله جل وعلا: ?وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) ? (2) . قال الله جل وعلا: ?سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) ? (3) .

اللهم أعنا على الطاعة والإحسان، ووفقنا إلى ما تحب وترضى من الأقوال والأعمال.

اللهم استعملنا فيما تحب وترضى، واجعلنا ممن يبلغ هاذا الشهر المبارك ويستزيد فيه من الطاعات والإحسان.

اللهم إنا نسألك أن تجعله شهر خير وبركة ونصر وعز لأمة الإسلام.

وصلى الله وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1) البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء، حديث رقم: 1863.

مسلم: كتاب الحج، باب فضل العمرة في رمضان، حديث رقم: 1256.

(2) سورة: آل عمران (133) .

(3) سورة: الحديد (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت