ومن المحفوظ من هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يختم القرآن في رمضان كل عام مرة، وفي العام الذي قبض فيه ختمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتين، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: كان يعرض جبريل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبض فيه (1) .
ولكن انتبه أيها الأخ إياك وأن يكون همك في قراءتك أن تختم القرآن على أي وجه كان؛ لا تقف عند عظاته، ولا تعتبر بما فيه من العبر ولا تمتثل ما فيه من الأحكام.
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يسأله مسألة من العلم، فقال له عبد الله كلاماً، فأراد هاذا الرجل أن يبين تقدمه وحفظه في القرآن وضبطه له، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني لأقرأ المفصل في ركعة. المفصل أي من سورة الحجرات على مصحف عثمان رضي الله عنه إلى آخر الناس، من سورة الحجرات أو من سورة ق إلى آخر المصحف يقرؤه في ركعة.
فقال له عبد الله مؤدباً معلماً مربياً: أهذًّا كهذِّ الشعر؟ أي تقرؤه هذّاً كهذ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم؛ ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.
وهذا يدل على أن النافع في القراءة ليس كثرة الختمات ولا كثرة المقروء من الكتاب، إنما النافع هو أن تكون القراءة مؤثرة، قال رضي الله عنه كما في رواية الإمام أحمد: هذّاً مثل هذّ الشعر أو نثراً مثل نثر الدقل؟ إنما فصل لتفصلوا. أي إن القرآن فصل وبين وجزئ لتفصلوا في قراءته وتقفوا عند عجائبه وتحركوا به القلوب.
دخل عبد الرحمان بن أبي ليلى على امرأة من السلف وهو يقرأ سورة هود في طريقه، فدخل عليها وهو يقرأ سورة هود، فلما رأته وسمعته يقرأ سورة هود قالت له: يا عبد الرحمان أهكذا تقرأ سورة هود؟ والله إني فيها لمن ستة أشهر، تقرأ سورة هود؟ أنكرت على أحد طلاب العلم هاذه القراءة التي خفّ بها لسانه ولم يقف عند ما فيها من المعاني، ويتدبر.
ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.
فالواجب علينا -أيها الإخوة- أن نهتم بفهم القرآن، بمعرفة معانيه، بما فيه من العظات والعبر، ولا أسهل على الإنسان في تحصيل هاذا من أن يقتني كتاباً يبين له معاني القرآن، ويجلّي له ما أشكل عليه فإنه شهر القرآن، إذا أقبل عليه الإنسان قراءة وفهماً فتح له فيه من الخير ما لا يجده في غيره؛ لأن الإنسان إذا وفّر نفسه على الشيء حصل منه ما لا يحصله في غيره.
فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار في كل ليلة من ليالي هاذا الشهر، نسأل الله عز وجل من فضله.
أيها الإخوة الكرام: إن من فضائل الأعمال التي ندب إليها رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير الأنام في هاذا الشهر المبارك في شهر رمضان الإحسان إلى الخلق، فإن الإحسان قولاً وفعلاً وعملاً وجوداً وبرّاً وكرماً هو هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالنفوس-بسبب ما تشتغل به من الأعمال الصالحة من الصيام، من القيام، من قراءة القرآن، من المسابقة في تحصيل الفضائل- تزكو، تتخلص من كثير من أسباب الانحراف، من أسباب القعود، وإذا زكت النفس طهرت، وإذا طهرت بذلت الخير.
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس- هاذا هو هديه وخلقه على وجه العموم- وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (2) .
(1) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب ان جبريل يعرض القرآن على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حديث رقم 4998.
(2) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حديث رقم: 4997.
مسلم: كتاب الفضائل: باب كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة، حديث رقم: 2308.